الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

118

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

الْمُتَّقِينَ مثله في لَمِنَ السَّاخِرِينَ . وأما قولها : حِينَ تَرَى الْعَذابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فهو تمنّ محض . و لَوْ فيه للتمني ، وانتصب فَأَكُونَ على جواب التمنّي . والكرة : الرّجعة . وتقدم في قوله : فَلَوْ أَنَّ لَنا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ في سورة الشعراء [ 102 ] ، أي كرة إلى الدنيا فأحسن ، وهذا اعتراف بأنها علمت أنها كانت من المسيئين . وقد حكي كلام النفس في ذلك الموقف على ترتيبه الطبيعي في جولانه في الخاطر بالابتداء بالتحسر على ما أوقعت فيه نفسها ، ثم بالاعتذار والتنصل طمعا أن ينجيها ذلك ، ثم بتمنّي أن تعود إلى الدنيا لتعمل الإحسان كقوله تعالى : قالَ رَبِّ ارْجِعُونِ لَعَلِّي أَعْمَلُ صالِحاً فِيما تَرَكْتُ [ المؤمنون : 99 ، 100 ] . فهذا الترتيب في النظم هو أحكم ترتيب ولو رتب الكلام على خلافه لفاتت الإشارة إلى تولد هذه المعاني في الخاطر حينما يأتيهم العذاب ، وهذا هو الأصل في الإنشاء ما لم يوجد ما يقتضي العدول عنه كما بينته في كتاب « أصول الإنشاء والخطابة » . [ 59 ] [ سورة الزمر ( 39 ) : آية 59 ] بَلى قَدْ جاءَتْكَ آياتِي فَكَذَّبْتَ بِها وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنْتَ مِنَ الْكافِرِينَ ( 59 ) بَلى حرف لإبطال منفي أو فيه رائحة النفي ، لقصد إثبات ما نفي قبله ، فتعين أن تكون هنا جوابا لقول النفس لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ [ الزمر : 57 ] ، لما تقتضيه لَوْ التي استعملت للتمنّي من انتفاء ما تمناه وهو أن يكون اللّه هداه ليكون من المتقين ، أي لم يهدني اللّه فلم أتق . وجملة قَدْ جاءَتْكَ آياتِي تفصيل للإبطال وبيان له ، وهو مثل الجواب بالتسليم بعد المنع ، أي هداك اللّه . وقد قوبل كلام النفس بجواب يقابله على عدد قرائنه الثلاث « 1 » ، وذلك بقوله : قَدْ جاءَتْكَ آياتِي فَكَذَّبْتَ بِها وهذا مقابل لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدانِي [ الزمر : 57 ] ثم بقوله : وَاسْتَكْبَرْتَ وهو مقابل قولها : عَلى ما فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ [ الزمر : 56 ] أي ليست نهاية أمرك التفريط بل أعظم منه وهو الاستكبار ، ثم بقوله : وَكُنْتَ مِنَ الْكافِرِينَ وهذا مقابل قول النفس لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ [ الزمر : 57 ] فهذه قرائن ثلاث . والمعنى : أن اللّه هداك في الدنيا بالإرشاد بآيات القرآن فقابلت الإرشاد بالتكذيب والاستكبار والكفر بها فلا عذر لك .

--> ( 1 ) القرائن القرآنية : جمع قرينة وهي الفقرة ذات الفاصلة .