الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
119
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
وكان الجواب على طريقة النشر المشوش بعد اللّف رعيا لمقتضى ذلك التشويش وهو أن يقع ابتداء النشر بإبطال الأهم مما اشتمل عليه اللّف وهو ما ساقوه على معنى التنصل والاعتذار من قولهم : لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدانِي [ الزمر : 57 ] لقصد المبادرة بإعلامهم بما يدحض معذرتهم ، ثم عاد إلى إبطال قولهم : عَلى ما فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ [ الزمر : 56 ] فأبطل بقوله : فَكَذَّبْتَ بِها ، ثم أكمل بإبطال قولهم : لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ [ الزمر : 58 ] بقوله : وَكُنْتَ مِنَ الْكافِرِينَ . ولم يورد جواب عن قول النفس وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ [ الزمر : 56 ] لأنه إقرار . ولو لم يسلك هذا الأسلوب في النشر لهذا اللف لفات التعجيل بدحض المعذرة ، ولفاتت مقابلة القرائن الثلاث المجاب عنها بقرائن أمثالها لما علمت من أن الإبطال روعي فيه قرائن ثلاث على وزان أقوال النفس ، وأن ترتيب أقوال النفس كان جاريا على الترتيب الطبيعي ، فلو لم يشوش النشر لوجب أن يقتصر فيه على أقلّ من عدد قرائن اللف فتفوت نكتة المقابلة التي هي شأن الجدال ؛ مع ما فيه من التورك . وتركيب قوله : وَكُنْتَ مِنَ الْكافِرِينَ مثل ما تقدم آنفا في نظائره من قوله : وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ [ الزمر : 56 ] وما بعده مما أقحم فيه فعل كُنْتَ . واتفق القراء على فتح التاءات الثلاث في قوله : فَكَذَّبْتَ بِها وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنْتَ مِنَ الْكافِرِينَ وكذلك فتح الكاف من قوله : جاءَتْكَ راجعة إلى النفس بمعنى الذات المغلبة في أن يراد بها الذكور ويعلم أن النساء مثلهم ، مثل تغليب صيغة جمع المذكر في قوله : لَمِنَ السَّاخِرِينَ [ الزمر : 56 ] . [ 60 ] [ سورة الزمر ( 39 ) : آية 60 ] وَيَوْمَ الْقِيامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ أَ لَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْمُتَكَبِّرِينَ ( 60 ) عطف على إحدى الجمل المتقدمة المتعلقة بعذاب المشركين في الدنيا والآخرة ، والأحسن أن يكون عطفا على جملة وَالَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ هؤُلاءِ سَيُصِيبُهُمْ سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا [ الزمر : 51 ] ، أي في الدنيا كما أصاب الذين من قبلهم ويوم القيامة تسوّد وجوههم . فيجوز أن يكون اسوداد الوجوه حقيقة جعله اللّه علامة لهم وجعل بقية الناس بخلافهم . وقد جعل اللّه اسوداد الوجوه يوم القيامة علامة على سوء المصير كما جعل بياضها علامة على حسن المصير قال تعالى : يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ