الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
99
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
عقب قوله : فَإِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ * ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفاتِنِينَ [ الصافات : 161 ، 162 ] ، أي ما أنتم بفاتنين لنا فلا يلتبس علينا فضل الملائكة فنرفعه إلى مقام البنوّة للّه تعالى ولا نشبّه اعتقادكم في تصرف الجن أن تبلغوا بهم مقام المصاهرة للّه تعالى والمداناة لجلاله كقوله : وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ [ الأنعام : 100 ] . فقوله : وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ * وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ أي وإنا معشر المسلمين ، الصافون أي الواقفون لعبادة اللّه صفوفا بالصلاة . ووصف وقوفهم في الصلاة بالصف تشبها بنظام الملائكة . قال النبي صلّى اللّه عليه وسلم في حديث مسلم : « جعلت صفوفنا كصفوف الملائكة » ، والمراد بالمسبحين المنزّهون للّه تعالى عن أن يتخذ ولدا أو يكون خلق صهرا له أو صاحبة خلافا لشرككم إذ عبادتكم مكاء وتصدية وخلافا لكفركم إذ تجعلون له صواحب وبنات وأصهارا . وحذف متعلق الصَّافُّونَ . . . الْمُسَبِّحُونَ لدلالة قوله ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفاتِنِينَ [ الصافات : 162 ] عليه ، أي الصافّون لعبادته المسبّحون له ، فإن الكلام في هذه الآيات كلها متعلق بشؤون اللّه تعالى . وتعريف جزأي الجملة ، وضمير الفصل من قوله : لَنَحْنُ يفيدان قصرا مؤكدا فهو قصر قلب ، أي دون ما وصفتموه به من البنوّة للّه . [ 167 - 170 ] [ سورة الصافات ( 37 ) : الآيات 167 إلى 170 ] وَإِنْ كانُوا لَيَقُولُونَ ( 167 ) لَوْ أَنَّ عِنْدَنا ذِكْراً مِنَ الْأَوَّلِينَ ( 168 ) لَكُنَّا عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ ( 169 ) فَكَفَرُوا بِهِ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ ( 170 ) انتقال من ذكر كفر المشركين بتعدد الإله وبإنكار البعث وما وصفوا به الرسول صلّى اللّه عليه وسلم من السحر والجنون ثم بما نسبوا للّه مما لا يليق بإلهيته وما تخلل ذلك من المواعظ والوعيد لهم والوعد للمؤمنين والعبرة بمصارع المكذبين السابقين وما لقيه رسل اللّه من أقوامهم . فانتقال الكلام إلى ذكر ما كفر به المشركون من تكذيب القرآن الذي أنزله اللّه هدى لهم ، فالمقصود من هذا هو قوله : فَكَفَرُوا بِهِ أي الذكر ، وإنما قدم له في نظم الكلام ما فيه تسجيل عليهم تهافتهم في القول إذ كانوا قبل أن يأتيهم محمد صلّى اللّه عليه وسلم بالكتاب المبين يودّون أن يشرفهم اللّه بكتاب لهم كما شرف الأولين ويرجون لو كان ذلك أن يكونوا عبادا للّه مخلصين له فلما جاءهم ما رغبوا فيه كفروا به وذلك أفظع الكفر لأنه كفر بما كانوا على بصيرة من أمره إذ كانوا يتمنّونه لأنفسهم ويغبطون الأمم التي أنزل عليهم مثله فلم يكن كفرهم عن مباغتة ولا عن قلة تمكن من النظر .