الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

100

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

وتأكيد الخبر ب إِنْ المخففة من الثقيلة وبلام الابتداء الفارقة بين المخففة والنافية للتسجيل عليهم بتحقيق وقوع ذلك منهم ليسدّ عليهم باب الإنكار . وإقحام فعل كانُوا للدلالة على أن خبر ( كان ) ثابت لهم في الماضي . والتعبير بالمضارع في « يقولون » لإفادة أن ذلك تكرر منهم . و لَوْ شرطية وسدّت أَنَّ وصلتها مسدّ فعل الشرط وهو كثير في الكلام . والذكر : الكتاب المقروء ، سمي ذكرا لأنه يذكر الناس بما يجب عليهم مسمّى بالمصدر . وتقدم عند قوله تعالى : وَقالُوا يا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ في سورة الحجر [ 6 ] . و مِنَ الْأَوَّلِينَ صفة ل ذِكْراً ، والمراد ب الْأَوَّلِينَ الرسل السابقون ، و مِنَ ابتدائية ، أي ذكرا جائيا من الرسل الأولين ، أي مثل موسى وعيسى . ومرادهم بهذا أن الرسل الأولين لم يكونوا مرسلين إليهم ولا بلغوا إليهم كتابهم ولو كانوا مرسلين إليهم لآمنوا بهم فكانوا عباد اللّه المخلصين ، فذكر في جواب لَوْ ما هو أخص من الإيمان ليفيد معنى الإيمان بدلالة الفحوى . وفي جملة لَكُنَّا عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ صيغة قصر من أجل كون المسند إليه معرفة بالإضمار والمسند معرفة بالإضافة ، أي لكنا عباد اللّه دون غيرنا ، ولما وصف المسند ب الْمُخْلَصِينَ وهو معرّف بلام الجنس حصل قصر عباد اللّه الذين لهم صفة الإخلاص في المسند إليه ، وهذا قصر ادعائي للمبالغة في ثبوت صفة الإخلاص لهم حتى كانوا شبيهين بالمنفردين بالإخلاص لعدم الاعتداد بإخلاص غيرهم في جانب إخلاصهم . وهو يؤول إلى معنى تفضيل أنفسهم في الإخلاص للّه حينئذ ، كما صرح به في قوله تعالى : أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتابُ لَكُنَّا أَهْدى مِنْهُمْ [ الأنعام : 157 ] . والفاء في قوله : فَكَفَرُوا بِهِ للتعقيب على فعل لَيَقُولُونَ ، أي استمرّ قولهم حتى كان آخره أن جاءهم الكتاب فكفروا به ، أو للفصيحة ، والتقدير : فكان عندهم ذكر فكفروا به ، فالضمير عائد إلى الذكر وهو القرآن قال تعالى : إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جاءَهُمْ وَإِنَّهُ لَكِتابٌ عَزِيزٌ [ فصلت : 41 ] . وهذا معنى قوله تعالى : وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لَئِنْ جاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ فَلَمَّا جاءَهُمْ نَذِيرٌ ما زادَهُمْ إِلَّا نُفُوراً [ فاطر : 42 ] . وبهذا كان للوعيد بقوله : فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ موقعه المصادف المجزّ من الكلام ،