الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
98
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
ووصفهم بالتسبيح كثير كقوله : وَالْمَلائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ [ الشورى : 5 ] ، وذكر مقاماتهم في قوله تعالى : ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ مُطاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ [ التكوير : 20 ، 21 ] وقوله : وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهى [ النجم : 13 ، 14 ] . وفي أحاديث كثيرة مثلا حديث الإسراء أن جبريل وجد في كل سماء ملكا يستأذنه جبريل أن يدخل تلك السماء ويسأله الملك : من أنت ؟ ومن معك ؟ وهل أرسل إليه ؟ فإذا قال : نعم ، فتح له . وعن مقاتل أن قوله : وَما مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ إلى الْمُسَبِّحُونَ نزل ورسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم عند سدرة المنتهى فتأخّر جبريل فقال له النبي : أهنا تفارقني فقال : لا أستطيع أن أتقدم عن مكاني وأنزل اللّه حكاية عن قول الملائكة وَما مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ الآيتين . ويجوز أن يكون هذا مما أمر النبي صلّى اللّه عليه وسلم بأن يقوله للمشركين عطفا على التفريع الذي في قوله : فَإِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ [ الصافات : 161 ] إلى آخره ويتصل الكلام بقوله : فَاسْتَفْتِهِمْ أَ لِرَبِّكَ الْبَناتُ [ الصافات : 149 ] إلى هنا . والمعنى : ما أنتم بفاتنينا فتنة جراءة على ربنا فنقول مثل قولكم : الملائكة بنات اللّه والجن أصهار اللّه فما منا إلّا له مقام معلوم لا يتجاوزه وهو مقام المخلوقيّة للّه والعبودية له . والمنفي ب ما محذوف دل عليه وصفه بقوله : مِنَّا . والتقدير : وما أحد منا كما في قول سحيم بن وثيل : أنا ابن جلا وطلاع الثنايا * متى أضع العمامة تعرفوني التقدير : ابن رجل جلا . والخبر هو قوله : إِلَّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ . والتقدير : ما أحد منا إلا كائن له مقام معلوم . والمقام : أصله مكان القيام . ولما كان القيام يكون في الغالب لأجل العمل كثر إطلاق المقام على العمل الذي يقوم به المرء كما حكي في قول نوح : إِنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقامِي [ يونس : 71 ] أي عملي . والمعلوم : المعيّن المضبوط ، وأطلق عليه وصف مَعْلُومٌ لأن الشيء المعيّن المضبوط لا يشتبه على المتبصر فيه فمن تأمّله علمه . والمعنى : ما من أحد منا معشر المؤمنين إلا له صفة وعمل نحو خالقه لا يستزله عنه شيء ولا تروج عليه فيه الوساوس فلا تطمعوا أن تزلونا عن عبادة ربنا . فالمقام هو صفة العبودية للّه بقرينة وقوع هذه الجملة