الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
40
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ * لَآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ في سورة الواقعة [ 51 - 52 ] ، وكان نزولها قبل نزول سورة الصافات . ويبين هذا ما رواه الكلبي أنه لما نزلت هذه الآية ( أي آية سورة الواقعة ) قال ابن الزّبعرى : أكثر اللّه في بيوتكم الزقوم ، فإن أهل اليمن يسمّون التمر والزبد بالزقوم . فقال أبو جهل لجاريته : زقمينا فأتته بزبد وتمر فقال : تزقموا . وعن ابن سيده : بلغنا أنه لما نزلت : إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ * طَعامُ الْأَثِيمِ ( أي في سورة الدخان [ 43 - 44 ] ) لم يعرفها قريش . فقال أبو جهل : يا جارية هاتي لنا تمرا وزبدا نزدقمه ، فجعلوا يأكلون ويقولون : أفبهذا يخوفنا محمد في الآخرة ا . ه . والمناسب أن يكون قولهم هذا عندما سمعوا آية سورة الواقعة لا آية سورة الدخان وقد جاءت فيها نكرة . وإمّا أن يكون اسما لشجر معروف هو مذموم ، قيل : هو شجر من أخبث الشجر يكون بتهامة وبالبلاد المجدبة المجاورة للصحراء كريهة الرائحة صغيرة الورق مسمومة ذات لبن إذا أصاب جلد الإنسان تورّم ومات منه في الغالب . قاله قطرب وأبو حنيفة . وتصدّي القرآن لوصفها المفصّل هنا يقتضي أنها ليست معروفة عندهم فذكرها مجملة في سورة الواقعة فلما قالوا ما قالوا فصّل أو صافها هنا بهذه الآية وفي سورة الدخان بقوله : إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ * طَعامُ الْأَثِيمِ * كَالْمُهْلِ تغلي فِي الْبُطُونِ * كَغَلْيِ الْحَمِيمِ [ الدخان : 43 - 46 ] . وقد سماها القرآن بهذه الإضافة كأنها مشتقة من الزقمة بضم الزاء وسكون القاف وهو اسم الطاعون ، وقال ابن دريد : لم يكن الزقوم اشتقاقا من التزقم وهو الإفراط في الأكل حتى يكرهه . وهو يريد الرد على من قال : إنها مشتقة من التزقم وهو البلع على جهد لكراهة الشيء . واستأنف وصفها بأن اللّه جعلها فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ ، أي عذابا مثل ما في قوله : إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ [ البروج : 10 ] ، أي عذبوهم بأخدود النار . وفسرت الفتنة أيضا بأن خبر شجرة الزقوم كان فتنة للمشركين إذ أغراهم بالتكذيب والتهكم فيكون معنى جَعَلْناها جعلنا ذكرها وخبرها ، أي لما نزلت آية سورة الواقعة ، أي جعلنا ذكرها مثيرا لفتنتهم بالتكذيب والتهكم دون تفهم ، وذلك مثل قوله : وَما جَعَلْنا أَصْحابَ النَّارِ إِلَّا مَلائِكَةً وَما جَعَلْنا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا [ المدثر : 31 ] ، فإنه لما نزل قوله تعالى في وصف جهنم : عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ [ المدثر : 30 ] قال أبو جهل لقريش : ثكلتكم أمهاتكم إن ابن أبي كبشة يخبركم أن خزنة النار تسعة عشر وأنتم الدّهم أيعجز كل