الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
41
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
عشرة منكم أن يبطشوا برجل منهم ( أي من خزنة النار ) فقال أبو الأشد الجمحي : أنا أكفيكم سبعة عشر فاكفوني أنتم اثنين فأنزل اللّه تعالى : وَما جَعَلْنا أَصْحابَ النَّارِ إِلَّا مَلائِكَةً [ المدثر : 31 ] أي فليس الواحد منهم كواحد من الناس وَما جَعَلْنا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا [ المدثر : 31 ] . واستأنف لوصفها استئنافا ثانيا مكررا فيه كلمة إِنَّها للتهويل . ومعنى تَخْرُجُ تنبت كما قال تعالى : وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَباتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ [ الأعراف : 58 ] . ومن عجيب قدرة اللّه تعالى أن جعل من النار شجرة وهي نارية لا محالة . صور اللّه في النار شجرة من النار ، وتقريب ذلك ما يصور في الشماريخ النارية من صور ذات ألوان كالنخيل ونحوه . وجعل لها طلعا ، أي ثمرا ، وأطلق عليه اسم الطلع على وجه الاستعارة تشبيها له بطلع النخلة لأن اسم الطلع خاصّ بالنخيل . قال ابن عطية : عن السدي ومجاهد قال الكفار : كيف يخبر محمد عن النار أنها تنبت الأشجار ، وهي تأكلها وتذهبها ، فقولهم هذا ونحوه من الفتنة لأنه يزيدهم كفرا وتكذيبا . و رُؤُسُ الشَّياطِينِ يجوز أن يكون مرادا بها رؤوس شياطين الجنّ جمع شيطان بالمعنى المشهور ورؤوس هذه الشياطين غير معروفة لهم ، فالتشبيه بها حوالة على ما تصوّر لهم المخيّلة ، وطلع شجرة الزقوم غير معروف فوصف للناس فظيعا بشعا ، وشبهت بشاعته ببشاعة رؤوس الشياطين ، وهذا التشبيه من تشبيه المعقول بالمعقول كتشبيه الإيمان بالحياة في قوله تعالى : لتنذر مَنْ كانَ حَيًّا [ يس : 70 ] والمقصود منه هنا تقريب حال المشبّه فلا يمتنع كون المشبه به غير معروف ولا كون المشبه كذلك . ونظيره قول امرئ القيس : ومسنونة زرق كأنياب أغوال وقيل : أريد برءوس الشياطين ثمر الأستن ، والأستن ( بفتح الهمزة وسكون السين وفتح التاء ) شجرة في بادية اليمن يشبه شخوص الناس ويسمى ثمره رؤوس الشياطين ، وإنما سمّوه كذلك لبشاعة مرآة ثم صار معروفا ، فشبه به في الآية . وقيل : الشَّياطِينِ : جمع شيطان وهو من الحيات ما لرءوسه أعراف ، قال الراجز يشبه امرأته بحية منها : عنجرد تحلف حين أحلف * كمثل شيطان الحماط أعرف