الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

23

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

غلبت في ذلك ، لأن كون المهديّ راغبا في معرفة الطريق من لوازم فعل الهداية ولذلك تقابل بالضلالة وهي الحيرة في الطريق ، فذكر فَاهْدُوهُمْ هنا تهكّم بالمشركين ، كقول عمرو بن كلثوم : قريناكم فعجلنا قراكم * قبيل الصبح مرادة طحونا والصراط : الطريق ، أي طريق جهنم . ومعنى : وَقِفُوهُمْ أمر بإيقافهم في ابتداء السير بهم لما أفاده الأمر من الفور بقرينة فاء التعقيب التي عطفته ، أي احبسوهم عن السير قليلا ليسألوا سؤال تأييس وتحقير وتغليظ ، فيقال لهم : ما لَكُمْ لا تَناصَرُونَ ، أي ما لكم لا ينصر بعضكم بعضا فيدفع عنه الشقاء الذي هو فيه ، وأين تناصركم الذي كنتم تتناصرون في الدنيا وتتألبون على الرسول وعلى المؤمنين . فالاستفهام في ما لَكُمْ لا تَناصَرُونَ مستعمل في التعجيز مع التنبيه على الخطأ الذي كانوا فيه في الحياة الدنيا . وجملة ما لَكُمْ لا تَناصَرُونَ مبيّنة لإبهام مَسْؤُلُونَ وهو استفهام مستعمل في التعجيب للتذكير بما يسوءهم ، فظهر أن السؤال ليس على حقيقته وإنما أريد به لازمه وهو التعجيب ، والمعنى : أيّ شيء اختص بكم ، ف ما الاستفهامية مبتدأ و لَكُمْ خبر عنه . وجملة لا تَناصَرُونَ حال من ضمير لَكُمْ وهي مناط الاستفهام ، أي أن هذه الحالة تستوجب التعجب من عدم تناصركم . وقرأ الجمهور لا تَناصَرُونَ بتخفيف المثناة الفوقية على أنه من حذف إحدى التاءين . وقرأه البزّي عن ابن كثير وأبو جعفر بتشديد المثناة على إدغام إحدى التاءين في الأخرى . والإضراب المستفاد من بَلْ إضراب لإبطال إمكان التناصر بينهم وليس ذلك مما يتوهمه السمع ، فلذلك كان الإضراب تأكيدا لما دل عليه الاستفهام من التعجيز . والاستسلام : الإسلام القوي ، أي إسلام النفس وترك المدافعة فهو مبالغة في أسلم . وذكر الْيَوْمَ لإظهار النكاية بهم ، أي زال عنهم ما كان لهم من تناصر وتطاول على المسلمين قبل اليوم ، أي في الدنيا إذ كانوا يقولون : نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ [ القمر : 44 ] وقد قالها أبو جهل يوم بدر ، أي نحن جماعة لا تغلب فكان لذكر اليوم وقع بديع في هذا المقام .