الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
24
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
[ 27 - 32 ] [ سورة الصافات ( 37 ) : الآيات 27 إلى 32 ] وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ ( 27 ) قالُوا إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأْتُونَنا عَنِ الْيَمِينِ ( 28 ) قالُوا بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ ( 29 ) وَما كانَ لَنا عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ بَلْ كُنْتُمْ قَوْماً طاغِينَ ( 30 ) فَحَقَّ عَلَيْنا قَوْلُ رَبِّنا إِنَّا لَذائِقُونَ ( 31 ) فَأَغْوَيْناكُمْ إِنَّا كُنَّا غاوِينَ ( 32 ) عطف على مُسْتَسْلِمُونَ [ الصافات : 26 ] أي استسلموا وعاد بعضهم على بعض باللائمة والمتسائلون : المتقاولون وهم زعماء أهل الشرك ودهماؤهم كما تبينه حكاية تحاورهم من قوله : وَما كانَ لَنا عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ وقوله : فَأَغْوَيْناكُمْ إلخ . وعبر عن إقبالهم بصيغة المضي وهو مما سيقع في القيامة ، تنبيها على تحقيق وقوعه لأن لذلك مزيد تأثير في تحذير زعمائهم من التغرير بهم ، وتحذير دهمائهم من الاغترار بتغريرهم ، مع أن قرينة الاستقبال ظاهرة من السياق من قوله : فَإِذا هُمْ يَنْظُرُونَ [ الصافات : 19 ] الآية . والإقبال : المجيء من جهة قبل الشيء ، أي من جهة وجهه وهو مجيء المتجاهر بمجيئه غير المتختّل الخائف . واستعير هنا للقصد بالكلام والاهتمام به كأنه جاءه من مكان آخر . فحاصل المعنى حكاية عتاب ولوم توجه به الذين اتبعوا على قادتهم وزعمائهم ، ودلالة التركيب عليه أن يكون الإتيان أطلق على الدعاية والخطابة فيهم لأن الإتيان يتضمن القصد دون إرادة مجيء ، كقول النابغة : آتاك امرؤ مستبطن لي بغضة وقد تقدم استعماله واستعمال مرادفه وهو المجيء معا في قوله تعالى : قالُوا بَلْ جِئْناكَ بِما كانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ * وَأَتَيْناكَ بِالْحَقِّ الآية في سورة الحجر [ 63 ، 64 ] . أو أن يكون اليمين مرادا به جهة الخير لأن العرب تضيف الخير إلى جهة اليمين . وقد اشتقت من اليمن وهو البركة ، وهي مؤذنة بالفوز بالمطلوب عندهم . وعلى ذلك جرت عقائدهم في زجر الطير والوحش من التيمّن بالسانح ، وهو الوارد من جهة يمين السائر ، والتشاؤم ، أي ترقب ورود الشر من جهة الشمال . وكان حقّ فعل تَأْتُونَنا أن يعدّى إلى جهة اليمين بحرف « من » فلما عدّي بحرف عَنِ الذي هو للمجاوزة تعين تضمين تَأْتُونَنا معنى « تصدوننا » ليلائم معنى المجاوزة ،