الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
179
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
[ 59 ] [ سورة ص ( 38 ) : آية 59 ] هذا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ لا مَرْحَباً بِهِمْ إِنَّهُمْ صالُوا النَّارِ ( 59 ) ابتداء كلام حكي به تخاصم المشركين في النار فيما بينهم إذا دخلوها كما دل عليه قوله تعالى في آخره : إِنَّ ذلِكَ لَحَقٌّ تَخاصُمُ أَهْلِ النَّارِ [ ص : 64 ] ، وبه فسر قتادة وابن زيد ، وجريانه بينهم ليزدادوا مقتا بأن يضاف إلى عذابهم الجسماني عذاب أنفسهم برجوع بعضهم على بعض بالتنديم وسوء المعاملة . وأسلوب الكلام يقتضي متكلما صادرا منه ، وأسلوب المقاولة يقتضي أن المتكلم به هم الطاغون الذين لهم شر المآب لأنهم أساس هذه القضية . فالتقدير : يقولون ، أي الطاغون بعضهم لبعض : هذا فوج مقتحم معكم ، أي يقولون مشيرين إلى فوج من أهل النار أقحم فيهم ليسوا من أكفائهم ولا من طبقتهم وهم فوج الأتباع من المشركين الذين اتبعوا الطاغين في الحياة الدنيا ، وذلك ما دل عليه قوله : أَنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنا [ ص : 60 ] أي أنتم سبب إحضار هذا العذاب لنا . وهو الموافق لمعنى نظائره في القرآن كقوله تعالى : كُلَّما دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَها [ الأعراف : 38 ] إلى قوله : بِما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ في سورة الأعراف [ 39 ] ، وقوله : إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا في سورة البقرة [ 166 ] ، وقوله : وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ الآيات من سورة الصافات [ 27 ] . وأوضح من ذلك كله قوله تعالى في آخر هذه الآية إِنَّ ذلِكَ لَحَقٌّ تَخاصُمُ أَهْلِ النَّارِ [ ص : 64 ] . فجملة القول المحذوف في موضع الحال من الطّاغين . وجملة هذا فَوْجٌ إلى آخرها مقول القول المحذوف . والفوج : الجماعة العظيمة من الناس ، وتقدم في قوله : وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجاً في سورة النمل [ 83 ] . والاقتحام : الدخول في الناس ، و ( مع ) مؤذنة بأن المتكلمين متبوعون ، وأن الفوج المقتحم أتباع لهم ، فأدخلوا فيهم مدخل التابع مع المتبوع بعلامات تشعر بذلك . وجملة : لا مَرْحَباً بِهِمْ معترضة مستأنفة لإنشاء ذم الفوج . و لا مَرْحَباً نفي لكلمة يقولها المزور لزائره وهي إنشاء دعاء الوافد . و مَرْحَباً مصدر بوزن المفعل ، وهو الرّحب بضم الراء وهو منصوب بفعل محذوف دل عليه معنى الرحب ، أي أتيت رحبا ، أي مكانا ذا رحب ، فإذا أرادوا كراهية الوافد والدعاء عليه قالوا : لا مرحبا به ، كأنهم أرادوا النفي بمجموع الكلمة :