الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

180

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

لا مرحبا بغد ولا أهلا به * إن كان تفريق الأحبة في غد وذلك كما يقولون في المدح : حبّذا ، فإذا أرادوا ذمّا قالوا : لا حبّذا . وقد جمعهما قول كنزة أمّ شملة المنقري تهجو فيه صاحبة ذي الرمة : ألا حبّذا أهل الملإ غير أنه * إذا ذكرت ميّ فلا حبّذا هيا ومعنى الرحب في هذا كله : السعة المجازية ، وهي الفرح ولقاء المرغوب في ذلك المكان بقرينة أن نفس السعة لا تفيد الزائد ، وإنما قالوا ذلك لأنهم كرهوا أن يكونوا هم وأتباعهم في مكان واحد جريا على خلق جاهليتهم من الكبرياء واحتقار الضعفاء . وجملة إِنَّهُمْ صالُوا النَّارِ خبر ثان عن اسم الإشارة ، والخبر مستعمل في التضجّر منهم ، أي أنهم مضايقوننا في مضيق النار كما أومأ إليه قولهم : مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ لا مَرْحَباً بِهِمْ . [ 60 ] [ سورة ص ( 38 ) : آية 60 ] قالُوا بَلْ أَنْتُمْ لا مَرْحَباً بِكُمْ أَنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنا فَبِئْسَ الْقَرارُ ( 60 ) فسمعهم الأتباع فيقولون : بَلْ أَنْتُمْ لا مَرْحَباً بِكُمْ إضرابا عن كلامهم . وجيء بحكاية قولهم على طريقة المحاورات فلذلك جرّد من حرف العطف ، أي أنتم أولى بالشتم والكراهية بأن يقال : لا مرحبا بكم ، لأنكم الذين تسببتم لأنفسكم ولنا في هذا العذاب بإغرائكم إيانا على التكذيب والدوام على الكفر . و بَلْ للإضراب الإبطالي لردّ الشتم عليهم وأنهم أولى به منهم . وذكر ضمير المخاطبين في قوله : أَنْتُمْ لا مَرْحَباً بِكُمْ للتنصل من شتمهم ، أي أنتم المشتومون ، أي أولى بالشتم منا ، وقد استفيد هذا المعنى من حرف الإبطال لا من الضمير لأن الضمير لا مفهوم له ولأن موقعه هنا لا يقتضي حصرا ولا تقوّيا لأنه مخبر عنه بجملة إنشائية ، أي أنتم يقال لكم : لا مرحبا بكم . وإذا قد كان قول : مرحبا ، إنشاء دعاء بالخير ، وكان نفيه إنشاء دعاء بضده ، كان قوله « بهم » بيانا لمن وجّه الدعاء لهم ، أي إيضاحا للسامع أن الدعاء على أصحاب الضمير المجرور بالباء فكانت الباء فيه للتبيين . قال في « الكشاف » : و « بهم » بيان لمدعوّ عليهم . وقال الهمذاني في شرحه « للكشاف » : يعني : البيان المصطلح ، كأن قائلا يقول : بمن يحصل هذا الرحب ؟ فيقول : بهم . وهذا كما في هَيْتَ لَكَ [ يوسف : 23 ] . يعني أن الباء فيه بمعنى لام التبيين . وهذا المعنى أغفله ابن هشام في معاني الباء . وأشار الهمذاني إلى