الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
176
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
والإشارة إذن إلى ما هو مشاهد عندهم من النعيم . وقرأ الجمهور : تُوعَدُونَ بتاء الخطاب فهو على الاحتمال الأول التفات من الغيبة إلى الخطاب لتشريف المتقين بعزّ الحضور لخطاب اللّه تعالى ، وعلى الاحتمال الثاني الخطاب لهم على ظاهره . وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وحده « يوعدون » بياء الغيبة فهو على الاحتمال الأول التفات عن توجيه الخطاب إليهم إلى توجيهه للطاغين لزيادة التنكيل عليهم . والإشارة إلى المذكور من « حسن المئاب » ، وعلى الاحتمال الثاني كذلك وجّه الكلام إلى أهل المحشر لتنديم الطاغين وإدخال الحسرة والغمّ عليهم . والإشارة إلى النعيم المشاهد . واللام في لِيَوْمِ الْحِسابِ لام العلة ، أي وعدتموه لأجل يوم الحساب . والمعنى لأجل الجزاء يوم الحساب ، فلما كان الحساب مؤذنا بالجزاء جعل اليوم هو العلة . وهذه اللام تفيد معنى التوقيت تبعا كقوله تعالى : أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ [ الإسراء : 78 ] تنزيلا للوقت منزلة العلة . ولذلك قال الفقهاء : أوقات الصلوات أسباب . [ 54 ] [ سورة ص ( 38 ) : آية 54 ] إِنَّ هذا لَرِزْقُنا ما لَهُ مِنْ نَفادٍ ( 54 ) يجري محمل اسم الإشارة هذا على الاحتمالين المذكورين في الكلام السابق . والعدول عن الضمير إلى اسم الإشارة لكمال العناية بتمييزه وتوجيه ذهن السامع إليه . وأطلق الرزق على النعمة كما في قول النبي صلّى اللّه عليه وسلم : « لو أن أحدهم قال حين يضاجع أهله : اللهم جنّبنا الشيطان وجنّب الشيطان ما رزقتنا ثم ولد لهما ولد لم يمسه شيطان أبدا » فسمّى الولد رزقا . والتوكيد ب إِنَّ للاهتمام . والنفاد : الانقطاع والزوال . [ 55 - 56 ] [ سورة ص ( 38 ) : الآيات 55 إلى 56 ] هذا وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ ( 55 ) جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَها فَبِئْسَ الْمِهادُ ( 56 ) اسم الإشارة هذا مستعمل في الانتقال من غرض إلى غرض تنهية للغرض الذي قبله . والقول فيه كالقول في هذا ذِكْرٌ وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ [ ص : 49 ] . والتقدير : هذا شأن المتقين ، أو هذا الشأن ، أو هذا كما ذكر . وجملة يَصْلَوْنَها حال من جَهَنَّمَ وهي حال مؤكدة لمعنى اللام الذي هو عامل في « الطاغين » فإن معنى اللام أنهم تختصّ بهم جهنم واختصاصها بهم هو ذوق عذابها لأن