الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
177
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
العذاب ذاتي لجهنم . والطاغي : الموصوف بالطغيان وهو : مجاوزة الحد في الكبر والتعاظم . والمراد بهم عظماء أهل الشرك لأنهم تكبّروا بعظمتهم على قبول الإسلام ، وأعرضوا عن دعوة الرسول صلّى اللّه عليه وسلم بكبر واستهزاء ، وحكموا على عامة قومهم بالابتعاد عن النبي صلّى اللّه عليه وسلم وعن المسلمين وعن سماع القرآن ، وهم : أبو جهل وأمية بن خلف ، وعتبة بن ربيعة ، والوليد بن عتبة ، والعاصي بن وائل وأضرابهم . والفاء في فَبِئْسَ الْمِهادُ لترتيب الإخبار وتسببه على ما قبله ، نظير عطف الجمل ب ( ثمّ ) وهي كالفاء في قوله تعالى : فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ [ الأنفال : 17 ] بعد قوله : فَلا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبارَ في سورة الأنفال [ 15 ] . وهذا استعمال بديع كثير في القرآن وهو يندرج في استعمالات الفاء العاطفة ولم يكشف عنه في « مغني اللبيب » . والمعنى : جهنم يصلونها ، فيتسبب على ذلك أن نذكر ذم هذا المقرّ لهم ، وعبر عن جهنم ب الْمِهادُ على وجه الاستعارة ، شبه ما هم فيه من النار من تحتهم بالمهاد وهو فراش النائم كقوله تعالى : لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهادٌ [ الأعراف : 41 ] . [ 57 - 58 ] [ سورة ص ( 38 ) : الآيات 57 إلى 58 ] هذا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ ( 57 ) وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْواجٌ ( 58 ) اسم الإشارة هنا جار على غالب مواقعه وهو نظير قوله : هذا ما تُوعَدُونَ لِيَوْمِ الْحِسابِ [ ص : 53 ] والقول فيه مثله . وإشارة القريب لتقريب الإنذار والمشار إليه ما تضمنه قوله : جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَها [ ص : 56 ] من الصلي ومن معنى العذاب ، أو الإشارة إلى شرّ من قوله : لَشَرَّ مَآبٍ [ ص : 55 ] . و حَمِيمٌ خبر عن اسم الإشارة . ومعنى الجملة في معنى بدل الاشتمال لأن شر المآب أو العذاب مشتمل على الحميم والغساق وغيره من شكله ، والمعنى : أن ذلك لهم لقوله : وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ [ ص : 55 ] فما فصل به شر المآب وعذاب جهنم فهو في المعنى معمول للام . والحميم : الماء الشديد الحرارة . والغساق : قرأه الجمهور بتخفيف السين . وقرأه حمزة والكسائي وحفص عن عاصم وخلف بتشديدها . قيل هما لغتان وقيل : غسّاق بالتشديد مبالغة في غاسق بمعنى سائل ، فهو على هذا وصف لموصوف محذوف وليس اسما لأن الأسماء التي على زنة فعّال قليلة في كلامهم .