الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

152

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

الإجمال ثم التفصيل كقوله تعالى : وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُوناً [ القمر : 12 ] وقول كعب بن زهير : أكرم بها خلة وقولهم : للّه دره فارسا . وضمن أَحْبَبْتُ معنى عوّضت ، فعدّي ب عَنْ في قوله : عَنْ ذِكْرِ رَبِّي فصار المعنى : أحببت الخير حبّا فجاوزت ذكر ربي . والمراد بذكر الرّب الصلاة ، فلعلها صلاة كان رتبها لنفسه لأن وقت العشي ليست فيه صلاة مفروضة في شريعة موسى إلا المغرب . و الْخَيْرِ : المال النفيس كما في قوله تعالى : إِنْ تَرَكَ خَيْراً [ البقرة : 180 ] . والخيل من المال النفيس . وقال الفراء : الخير بالراء من أسماء الخيل . والعرب تعاقب بين اللام والراء كما يقولون : انهملت العين وانهمرت . وختل وختر إذا خدع . وقلت : إن العرب من عادتهم التفاؤل ولهم بالخيل عناية عظيمة حتى وصفوا شياتها وزعموا دلالتها على بخت أو نحس فلعلهم سموها الخير تفاؤلا لتتمحض للسعد والبخت . وضمير تَوارَتْ للشمس بقرينة ذكر العشي وحرف الغاية ولفظ الحجاب ، على أن الإضمار للشمس في ذكر الأوقات كثير في كلامهم . كما قال لبيد : حتى إذا ألقت يدا في كافر * وأجنّ عورات الثغور ظلامها أي ألقت الشمس يدها في الظلمة ، أي ألقت نفسها فهو من التعبير عن الذات ببعض أعضائها . والتواري : الاختفاء ، والحجاب : الستر في البيت الذي تحتجب وراءه المرأة وغيرها ومنه قول أنس بن مالك : فأنزل اللّه آية الحجاب . والكلام تمثيل لحالة غروب الشمس بتواري المرأة وراء الحجاب وكل من أجزاء هذه التمثيلية مستعار ؛ فللشمس استعيرت المرأة على طريقة المكنية ، ولاختفائها عن الأنظار استعير التواري ، ولأفق غروب الشمس استعير الحجاب . والمعنى : عرضت عليه خيله الصافنات الجياد فاشتغل بأحوالها حبا فيها حتى غربت الشمس ففاتته صلاة كان يصليها في السماء قبل الغروب ، فقال عقب عرض الخيل وقد