الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

153

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

انصرفت : إني أحببت الخيل فغفلت عن صلاتي للّه . وكلامه هذا خبر مستعمل في التحسر كقول أم مريم رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُها أُنْثى [ آل عمران : 36 ] . والخطاب في قوله : رُدُّوها عَلَيَّ لسواس خيله . والضمير المنصوب عائد إلى الخيل بالقرينة ، أي أرجعوا الخيل إليّ ، وقيل : هو عائد إلى الشمس والخطاب للملائكة ، وهذا في غاية البعد ولولا كثرة ذكره في كتب المفسرين لكان الأولى بنا عدم التعرض له . وأحسن منه على هذا الاعتبار في معاد ضمير الغيبة أن يكون الأمر مستعملا في التعجيز ، أي هل تستطيعون أن تردوا الشمس بعد غروبها ، كقول مهلهل : يا لبكر انشروا لي كليبا وقول الحارث الضبي أحد أصحاب الجمل : ردوا علينا شيخنا ثم بجل يريد : عثمان بن عفان رضي اللّه عنه ، فلا استبعاد في هذا المحمل . والفاء في قوله : فَطَفِقَ تعقيبية ، وطفق من أفعال الشروع ، أي فشرع . و مَسْحاً مصدر أقيم مقام الفعل ، أي طفق يمسح مسحا . وحرف التعريف في بِالسُّوقِ وَالْأَعْناقِ عوض عن المضاف إليه ، أي بسوقها وأعناقها كقوله تعالى : فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوى [ النازعات : 41 ] . والمسح حقيقته : إمرار اليد على الشيء لإزالة ما عليه من غبش أو ماء أو غبار وغير ذلك مما لا يراد بقاؤه على الشيء ويكون باليد وبخرقة أو ثوب ، وقد يطلق المسح مجازا على معان منها : الضرب بالسيف يقال : مسحه بالسيف . ويقال : مسح السيف به . ولعل أصله كناية عن القتل بالسيف لأن السيف يمسح عنه الدم بعد الضرب به . والسّوق : جمع ساق . وقرأه الجمهور بواو ساكنة وبوزن فعل مثل : دار ودور ، ووزن فعل في جمع مثله قليل . وقرأه قنبل عن ابن كثير وأبو جعفر « السّؤق » بهمزة ساكنة بعد السين جمع : سأق بهمزة بعد السين وهي لغة في ساق . و الْأَعْناقِ : جمع عنق وهو الرقبة . والباء في بِالسُّوقِ مزيدة للتأكيد ، أي تأكيد اتصال الفعل بمفعوله كالتي في قوله تعالى : وَامْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ [ المائدة : 6 ] وفي قول النابغة :