الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
111
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
والقرن : الأمة كما في قوله تعالى : ثُمَّ أَنْشَأْنا مِنْ بَعْدِهِمْ قُرُوناً آخَرِينَ [ المؤمنون : 42 ] . و مِنْ قَبْلِهِمْ يجوز أن يكون ظرفا مستقرا جعل صفة ل قَرْنٍ مقدمة عليه فوقعت حالا ، وإنما قدم للاهتمام بمضمونه ليفيد الاهتمام إيماء إلى أنهم أسوة لهم في العزّة والشقاق وأن ذلك سبب إهلاكهم . ويجوز أن يكون متعلقا ب أَهْلَكْنا على أنه ظرف لغو ، وقدم على مفعول فعله مع أن المفعول أولى بالسبق من بقية معمولات الفعل ليكون تقديمه اهتماما به إيماء إلى الإهلاك كما في الوجه الأول . وفرع على الإهلاك أنهم نادوا فلم ينفعهم نداؤهم ، تحذيرا من أن يقع هؤلاء في مثل ما وقعت فيه القرون من قبلهم إذ أضاعوا الفرصة فنادوا بعد فواتها فلم يفدهم نداؤهم ولا دعاؤهم . والمراد بالنداء في فَنادَوْا نداؤهم اللّه تعالى تضرعا ، وهو الدعاء كما حكي عنهم في قوله تعالى : رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ [ الدخان : 12 ] . وقوله : حَتَّى إِذا أَخَذْنا مُتْرَفِيهِمْ بِالْعَذابِ إِذا هُمْ يَجْأَرُونَ [ المؤمنون : 64 ] . وجملة وَلاتَ حِينَ مَناصٍ في موضع الحال ، والواو واو الحال ، أي نادوا في حال لا حين مناص لهم . و لاتَ حرف نفي بمعنى ( لا ) المشبهة ب ( ليس ) و لاتَ حرف مختص بنفي أسماء الأزمان وما يتضمن معنى الزمان من إشارة ونحوها . وهي مركبة من ( لا ) النافية وصلت بها تاء زائدة لا تفيد تأنيثا لأنها ليست هاء وإنما هي كزيادة التاء في قولهم : ربّت وثمّت . والنفي بها لغير الزمان ونحوه خطأ في اللغة وقع فيه أبو الطيب إذ قال : لقد تصبرت حتى لات مصطبر * والآن أقحم حتى لات مقتحم وأغفل شارحو ديوانه كلّهم وقد أدخل لاتَ على غير اسم زمان . وأيّا ما كان فقد صارت ( لا ) بلزوم زيادة التاء في آخرها حرفا مستقلا خاصا بنفي أسماء الزمان فخرجت عن نحو : ربّت وثمّت . وزعم أبو عبيد القاسم بن سلام أن التاء في وَلاتَ حِينَ مَناصٍ متصلة ب حِينَ وأنه رآها في مصحف عثمان متصلة ب حِينَ وزعم أن هذه التاء تدخل على : حين وأوان وآن « 1 » يريد أن التاء لا حقة لأول الاسم الذي بعد ( لا ) ولكنه لم يفسر لدخولها معنى . وقد
--> ( 1 ) يشير إلى قول أبي زبيد :