الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
269
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
والإقبال على السكر والميسر والنساء ونحو ذلك . وحسبك ما هو معلوم من قضية خلع حجر الكندي ابنه إمرأ القيس وقد قال تعالى : وَالشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغاوُونَ [ الشعراء : 224 ] الآية . فلو جاء الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم بالشعر أو قاله لرمقه الناس بالعين التي لا يرمق بها قدره الجليل وشرفه النبيل ، والمنظور إليه في هذا الشأن هو الغالب الشائع وإلّا فقد قال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : « إن من الشعر لحكمة » وقال : « أصدق كلمة قالها شاعر كلمة لبيد : ألا كل شيء ما خلا اللّه باطل » فتنزيه النبي صلّى اللّه عليه وسلّم عن قول الشعر من قبيل حياطة معجزة القرآن وحياطة مقام الرسالة مثل تنزيهه عن معرفة الكتابة . قال أبو بكر بن العربي : هذه الآية ليست من عيب الشعر كما لم يكن قوله تعالى : وَما كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ [ العنكبوت : 48 ] من عيب الخط . فلما لم تكن الأمية من عيب الخط كذلك لا يكون نفي النظم عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم من عيب الشعر . ومن أجل ما للشعر من الفائدة والتأثير في شيوع دعوة الإسلام أن أمر النبي صلّى اللّه عليه وسلّم حسانا وعبد اللّه بن رواحة بقوله ، وأظهر استحسانه لكعب بن زهير حين أنشده القصيدة المشهورة : بانت سعاد . والقول في ما صدر عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم من كلام موزون مثل قوله يوم أحد : أنا النبي لا كذب * أنا ابن عبد المطلب كالقول فيما وقع في القرآن من شبيه ذلك مما بيناه آنفا . وجملة إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ استئناف بياني لأن نفي الشعر عن القرآن يثير سؤال متطلب يقول : فما هو هذا الذي أوحي به إلى محمد صلّى اللّه عليه وسلّم فكان قوله : إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ جوابا لطلبته . وضمير هُوَ للقرآن المفهوم من عَلَّمْناهُ ، أي ليس الذي علّمه الرسول إلّا ذكرا وقرآنا أو للشيء الذي علمناه ، أي للشيء المعلّم الذي تضمنه عَلَّمْناهُ ، أو عائد إلى ذِكْرٌ في قوله : إِلَّا ذِكْرٌ الذي هو مُبِينٌ . وهذا من مواضع عود الضمير على متأخر لفظا ورتبة لأن البيان كالبدل . وتقدم نظيره في قوله تعالى : إِنْ هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا في سورة المؤمنين [ 37 ] .