الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
270
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
وجيء بصيغة القصر المفيدة قصر الوحي على الاتصاف بالكون ذكرا وقرآنا قصر قلب ، أي ليس شعرا كما زعمتم . فحصل بذلك استقصاء الرد عليهم وتأكيد قوله : وَما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ من كون القرآن شعرا . والذكر : مصدر وصف به الكتاب المنزل على محمد صلّى اللّه عليه وسلّم وصفا للمبالغة ، أي إن هو إلا مذكّر للناس بما نسوه أو جهلوه . وقد تقدم الكلام على الذكر عند قوله تعالى : وَقالُوا يا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ في سورة الحجر [ 6 ] . والقرآن : مصدر قرأ ، أطلق على اسم المفعول ، أي الكلام المقروء ، وتقدم بيانه عند قوله تعالى : وَما تَتْلُوا مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ في سورة يونس [ 61 ] . والمبين : هو الذي أبان المراد بفصاحة وبلاغة . ويتعلق قوله : لتنذر بقوله : عَلَّمْناهُ باعتبار ما اتصل به من نفي كونه شعرا ثم إثبات كونه ذكرا وقرآنا ، أي لأن جملة إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ بيان لما قبلها في قوة أن لو قيل : وما علمناه إلّا ذكرا وقرآنا مبينا لينذر أو لتنذر . وجعله ابن عطية متعلقا ب مُبِينٌ . وقرأ نافع وابن عامر وأبو جعفر ويعقوب لتنذر بتاء الخطاب على الالتفات من ضمير الغيبة في قوله : عَلَّمْناهُ إلى ضمير الخطاب . وقرأه الباقون بياء الغائب ، أي لينذر النبي الذي علمناه . والإنذار : الإعلام بأمر يجب التوقي منه . والحيّ : مستعار لكامل العقل وصائب الإدراك ، وهذا تشبيه بليغ ، أي من كان مثل الحي في الفهم . والمقصود منه : التعريض بالمعرضين عن دلائل القرآن بأنهم كالأموات لا انتفاع لهم بعقولهم كقوله تعالى : إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتى وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ إِذا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ [ النمل : 80 ] . وعطف وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكافِرِينَ على لتنذر عطف المجاز على الحقيقة لأن اللام النائب عنه واو العطف ليس لام تعليل ولكنه لام عاقبة كاللام في قوله تعالى : فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَناً [ القصص : 8 ] . ففي الواو استعارة تبعية ، وهذا قريب من استعمال المشترك في معنييه . وفي هذه العاقبة احتباك إذ التقدير : لتنذر من كان