الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
224
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
محضرون ، لما كان تناف بين « أكثرهم » وبين « جميعهم » أي أكثرهم يحضر مجتمعين ؛ فارتفع جَمِيعٌ على الخبرية في قراءات تخفيف لَمَّا وعلى الاستثناء على قراءات تشديد لَمَّا . و مُحْضَرُونَ نعت ل جَمِيعٌ على القراءتين . وروعي في النعت معنى المنعوت فألحقت به علامة الجماعة ، كقول لبيد : عريت وكان بها الجميع فأبكروا * منها وغودر نؤيها وثمامها والإحضار : الإحضار للحساب والجزاء والعقاب . [ 33 ] [ سورة يس ( 36 ) : آية 33 ] وَآيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْناها وَأَخْرَجْنا مِنْها حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ ( 33 ) عطف على قصة وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحابَ الْقَرْيَةِ [ يس : 13 ] فإنه ضرب لهم مثلا لحال إعراضهم وتكذيبهم الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم وما تشتمل عليه تلك الحال من إشراك وإنكار للبعث وأذى للرسول صلّى اللّه عليه وسلّم وعاقبة ذلك كله . ثم أعقب ذلك بالتفصيل لإبطال ما اشتملت عليه تلك الاعتقادات من إنكار البعث ومن الإشراك باللّه . وابتدئ بدلالة تقريب البعث لمناسبة الانتقال من قوله : وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ لَدَيْنا مُحْضَرُونَ [ يس : 32 ] على أن هذه لا تخلو من دلالتها على الانفراد بالتصرف ، وفي ذلك إثبات الوحدانية . و وَآيَةٌ مبتدأ و لَهُمُ صفة آيَةٌ ، و الْأَرْضُ خبر آيَةٌ ، و الْمَيْتَةُ صفة الْأَرْضُ . وجملة أَحْيَيْناها في موضع الحال من الْأَرْضُ وهي حال مقيدة لأن إحياء الأرض هو مناط الدلالة على إمكان البعث بعد الموت ، أو يكون جملة أَحْيَيْناها بيانا لجملة آيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ لبيان موقع الآية فيها ، أو بدل اشتمال من جملة آيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ ، أو استئنافا بيانيا كأنّ سائلا سأل : كيف كانت الأرض الميتة ؟ وموت الأرض : جفافها وجرازتها لخلوّها من حياة النبات فيها ، وإحياؤها : خروج النبات منها من العشب والكلأ والزرع . وقرأ نافع وأبو جعفر الميتة بتشديد الياء . وقرأ الباقون بتخفيف الياء ، والمعنى واحد وهما سواء في الاستعمال . والحب : اسم جمع حبّة ، وهو بزرة النبت مثل البرّة والشعيرة . وقد تقدم عند قوله تعالى : كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ في سورة البقرة [ 261 ] .