الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
223
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
وفائدة هذا البدل تقرير تصوير الإهلاك لزيادة التخويف ، ولاستحضار تلك الصورة في الإهلاك أي إهلاكا لا طماعية معه لرجوع إلى الدنيا ، فإن ما يشتمل عليه الإهلاك من عدم الرجوع إلى الأهل والأحباب مما يزيد الحسرة اتضاحا . و إِلَيْهِمْ متعلق ب يَرْجِعُونَ وتقديمه على متعلقه للرعاية على الفاصلة . وضمير إِلَيْهِمْ عائد إلى الْعِبادِ [ يس : 30 ] ، وضمير أَنَّهُمْ عائد إلى الْقُرُونِ . [ 32 ] [ سورة يس ( 36 ) : آية 32 ] وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ لَدَيْنا مُحْضَرُونَ ( 32 ) أرى أن عطفه على جملة أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لا يَرْجِعُونَ [ يس : 31 ] واقع موقع الاحتراس من توهم المخاطبين بالقرآن أن قوله : أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لا يَرْجِعُونَ مؤيد اعتقادهم انتفاء البعث . و إِنْ يجوز أن تكون مخففة من الثقيلة والأفصح إهمالها عن العمل فيما بعدها ، والأكثر أن يقترن خبر الاسم بعدها بلام تسمّى اللام الفارقة لأنها تفرق بين إِنْ المخففة من الثقيلة وبين إِنْ النافية لئلا يلتبس الخبر المؤكد بالخبر المنفي فيناقض مقصد المتكلم ، وعلى هذا الوجه يكون قوله : لَمَّا مخفف الميم كما قرأ الجمهور لَمَّا جَمِيعٌ بتخفيف ميم لَمَّا ، فهي مركبة من اللام الفارقة و ( ما ) الزائدة للتأكيد ، ويجوز أن تكون إِنْ نافية بمعنى ( لا ) ويكون لَمَّا بتشديد الميم على أنها حرف استثناء بمعنى ( إلا ) تقع بعد النفي ونحوه كالقسم . وكذلك قرأ ابن عامر وعاصم وحمزة وأبو جعفر . والتقدير : وما كلهم إلّا محضرون لدينا . و كُلٌّ مبتدأ وتنوينه تنوين العوض عما أضيف إليه ( كل ) ، أي كل القرون ، أو كل المذكورين من القرون والمخاطبين . و جَمِيعٌ اسم على وزن فعيل ، أي مجموع ، وهو ضد المتفرق . يقال : جمع أشياء كذا ، إذا جعلها متقاربة متصلة بعد أن كانت مشتتة ومتباعدة . والمعنى : أن كل القرون محضرون لدينا مجتمعين ، أي ليس إحضارهم في أوقات مختلفة ولا في أمكنة متعددة ؛ فكلمة كُلٌّ أفادت أن الإحضار محيط بهم بحيث لا ينفلت فريق منهم ، وكلمة جَمِيعٌ أفادت أنهم محضرون مجتمعين فليست إحدى الكلمتين بمغنية عن ذكر الأخرى ، ألا ترى أنه لو قيل : وإن أكثرهم لما جميع لدينا