الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
195
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
[ 2 - 4 ] [ سورة يس ( 36 ) : الآيات 2 إلى 4 ] وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ ( 2 ) إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ ( 3 ) عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ( 4 ) القسم بالقرآن كناية عن شرف قدره وتعظيمه عند اللّه تعالى ، وذلك هو المقصود من الآيات الأول من هذه السورة . والمقصود من هذا القسم تأكيد الخبر مع ذلك التنويه . و الْقُرْآنِ علم بالغلبة على الكتاب الموحى به إلى محمد صلّى اللّه عليه وسلّم من وقت مبعثه إلى وفاته للإعجاز والتشريع ، وقد تقدم في قوله تعالى : وَما تَتْلُوا مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ في سورة يونس [ 61 ] . و الْحَكِيمِ يجوز أن يكون بمعنى المحكم بفتح الكاف ، أي المجعول ذا إحكام ، والإحكام : الإتقان بماهية الشيء فيما يراد منه . ويجوز أن يكون بمعنى صاحب الحكمة ، ووصفه بذلك مجاز عقلي لأنه محتو عليها . وجملة إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ جواب القسم ، وتأكيد هذا الخبر بالقسم وحرف التأكيد ولام الابتداء باعتبار كونه مرادا به التعريض بالمشركين الذين كذبوا بالرسالة فهو تأنيس للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم وتعريض بالمشركين ، فالتأكيد بالنسبة إليه زيادة تقرير وبالنسبة للمعنى الكنائي لرد إنكارهم ، والنكت لا تتزاحم . عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ خبر ثان ل ( إنّ ) ، أو حال من اسم ( إنّ ) . والمقصود منه : الإيقاظ إلى عظمة شريعته بعد إثبات أنه مرسل كغيره من الرسل . و عَلى للاستعلاء المجازي الذي هو بمعنى التمكّن كما تقدم في قوله : أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ في سورة البقرة [ 5 ] . وليس الغرض من الإخبار به عن المخاطب إفادة كونه على صراط مستقيم لأن ذلك معلوم حصوله من الأخبار من كونه أحد المرسلين . فقد علم أن المراد من المرسلين المرسلون من عند اللّه ، ولكن الغرض الجمع بين حال الرسول عليه الصلاة والسلام وبين حال دينه ليكون العلم بأن دينه صراط مستقيم علما مستقلا لا ضمنيا . والصراط المستقيم : الهدى الموصل إلى الفوز في الآخرة ، وهو الدين الذي بعث به النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، والخلق الذي لقنه اللّه ، شبه بطريق مستقيم لا اعوجاج فيه في أنه موثوق به في الإيصال إلى المقصود دون أن يتردد السائر فيه .