الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

196

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

فالإسلام فيه الهدى في الحياتين فمتّبعه كالسائر في صراط مستقيم لا حيرة في سيره تعتريه حتى يبلغ المكان المراد . والقرآن حاوي الدين فكان القرآن من الصراط المستقيم . وتنكير صِراطٍ للتوصل إلى تعظيمه . [ 5 - 6 ] [ سورة يس ( 36 ) : الآيات 5 إلى 6 ] تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ ( 5 ) لِتُنْذِرَ قَوْماً ما أُنْذِرَ آباؤُهُمْ فَهُمْ غافِلُونَ ( 6 ) راجع إلى الْقُرْآنِ الْحَكِيمِ [ يس : 2 ] إذ هو المنزل من عند اللّه ، فبعد أن استوفى القسم جوابه رجع الكلام إلى بعض المقصود من القسم وهو تشريف المقسم به فوسم بأنه تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ . وقد قرأه الجمهور بالرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف للعلم به ، وهذا من مواقع حذف المسند إليه الذي سماه السكاكي الحذف الجاري على متابعة الاستعمال في أمثاله . وذلك أنهم إذا أجروا حديثا على شيء ثم أخبروا عنه التزموا حذف ضميره الذي هو مسند إليه إشارة إلى التنويه به كأنه لا يخفى كقول إبراهيم الصّولي ، أو عبد اللّه بن الزّبير الأسدي أو محمد بن سعيد الكاتب ، وهي من أبيات الحماسة في باب الأضياف : سأشكر عمرا إن تراخت منيتي * أيادي لم تمنن وإن هي جلّت فتى غير محجوب الغنى عن صديقه * ولا مظهر الشكوى إذ النعل زلّت تقديره : هو فتى . وقرأه ابن عامر وحمزة والكسائي وحفص عن عاصم وخلف بنصب تَنْزِيلَ على تقدير : أعني . والمعنى : أعني من قسمي قرآنا نزّلته ، وتلك العناية زيادة في التنويه بشأنه وهي تعادل حذف المسند إليه الذي في قراءة الرفع . والتنزيل : مصدر بمعنى المفعول أخبر عنه بالمصدر للمبالغة في تحقيق كونه منزلا . وأضيف التنزيل إلى اللّه بعنوان صفتي الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ لأن ما اشتمل عليه القرآن لا يعدو أن يكون من آثار عزة اللّه تعالى ، وهو ما فيه من حمل الناس على الحقّ وسلوك طريق الهدى دون مصانعة ولا ضعف مع ما فيه من الإنذار والوعيد على العصيان والكفران . وأن يكون من آثار رحمته وهو ما في القرآن من نصب الأدلة وتقريب البعيد وكشف