الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
190
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
وإن شئت فازعم أن من فوق ظهرها * عبيدك واستشهد إلهك يشهد والضمير للأرض هنا وهناك في البيت لأنها معلومة من المقام . والظهر : حقيقته متن الدابة الذي يظهر منها ، وهو ما يعلو الصلب من الجسد وهو مقابل البطن فأطلق على ظهر الإنسان أيضا وإن كان غير ظاهر لأن الذي يظهر من الإنسان صدره وبطنه . وظهر الأرض مستعار لبسطها الذي يستقر عليه مخلوقات الأرض تشبيها للأرض بالدابة المركوبة على طريقة المكنية . ثم شاع ذلك فصار من الحقيقة . فأما قوله هنا : فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِعِبادِهِ بَصِيراً ، وقد قال هنالك لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ [ النحل : 61 ] ، فما هنا إيماء إلى الحكمة في تأخيرهم إلى أجل مسمى . والتقدير : فإذا جاء أجلهم آخذهم بما كسبوا فإن اللّه كان بعباده بصيرا ، أي عليما في حالي التأخير ومجيء الأجل ، ولهذا فقوله : فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِعِبادِهِ بَصِيراً دليل جواب ( إذا ) وليس هو جوابها ، ولذلك كان حقيقا بقرنه بفاء التسبب ، وأما ما في سورة النحل فهو الجواب وهو تهديد بأنهم إذا جاء أجلهم وقع بهم العذاب دون إمهال . وقوله : فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِعِبادِهِ بَصِيراً هو أيضا جواب عن سؤال مقدر أن يقال : ما ذا جنت الدوابّ حتى يستأصلها اللّه بسبب ما كسب الناس ، وكيف يهلك كل من على الأرض وفيهم المؤمنون والصالحون ، فأفيد أن اللّه أعلم بعدله . فأما الدواب فإنها مخلوقة لأجل الإنسان كما قال تعالى : هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً [ البقرة : 29 ] ، فإهلاكها قد يكون إنذارا للناس لعلهم يقلعون عن إجرامهم ، وأما حال المؤمنين في حين إهلاك الكفار فاللّه أعلم بهم فلعل اللّه أن يجعل لهم طريقا إلى النجاة كما نجّى هودا ومن معه ، ولعله إن أهلكهم أن يعوض لهم حسن الدار كما قال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : « ثم يحشرون على نياتهم » .