الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
189
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
من عذاب اللّه بشفاعتها أو دفاعها فقيل : وَما كانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ ، أي هبكم أقوى من الأولين أو أشدّ حيلة منهم أو لكم من الأنصار ما ليس لهم ، فما أنتم بمفلتين من عذاب اللّه لأن اللّه لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء كقوله : وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ [ العنكبوت : 22 ] . وجيء بلام الجحود مع كانَ المنفية لإفادة تأكيد نفي كل شيء يحول دون قدرة اللّه وإرادته ، فهذه الجملة كالاحتراس . ومعنى « يعجزه » : يجعله عاجزا عن تحقيق مراده فيه فيفلت أحد عن مراد اللّه منه . وجملة إِنَّهُ كانَ عَلِيماً قَدِيراً تعليل لانتفاء شيء يغالب مراد اللّه بأن اللّه شديد العلم واسعه لا يخفى عليه شيء وبأنه شديد القدرة . وقد حصر هذان الوصفان انتفاء أن يكون شيء يعجز اللّه لأن عجز المريد عن تحقيق إرادته : إما أن يكون سببه خفاء موضع تحقق الإرادة ، وهذا ينافي إحاطة العلم ، أو عدم استطاعة التمكن منه وهذا ينافي عموم القدرة . [ 45 ] [ سورة فاطر ( 35 ) : آية 45 ] وَلَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِما كَسَبُوا ما تَرَكَ عَلى ظَهْرِها مِنْ دَابَّةٍ وَلكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِعِبادِهِ بَصِيراً ( 45 ) تذكير لهم عن أن يغرهم تأخير المؤاخذة فيحسبوه عجزا أو رضى من اللّه بما هم فيه فهم الذين قالوا : اللَّهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أَوِ ائْتِنا بِعَذابٍ أَلِيمٍ [ الأنفال : 32 ] فعلّمهم أن لعذاب اللّه آجالا اقتضتها حكمته ، فيها رعي مصالح أمم آخرين ، أو استبقاء أجيال آتين . فالمراد ب النَّاسَ مجموع الأمة ، وضمير « ما كسبوا » وضمير يُؤَخِّرُهُمْ عائد إلى أَجَلٍ . ونظير هذه الآية تقدم في سورة النحل إلى قوله : فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ إلا أن هذه الآية جاء فيها بِما كَسَبُوا وهنالك جاء فيها بِظُلْمِهِمْ [ النحل : 61 ] لأن ما كسبوا يعم الظلم وغيره . وأوثر في سورة النحل بِظُلْمِهِمْ لأنها جاءت عقب تشنيع ظلم عظيم من ظلمهم وهو ظلم بناتهم الموءودات وإلّا أن هنالك قال : ما تَرَكَ عَلَيْها [ النحل : 61 ] وهنا ما تَرَكَ عَلى ظَهْرِها وهو تفنن تبعه المعري في قوله :