الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

171

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

[ فاطر : 36 ] ولا تجعل حالا لأن التذييل آذن بانتهاء الكلام وباستقبال كلام جديد . و يَصْطَرِخُونَ مبالغة في ( يصرخون ) لأنه افتعال من الصراخ وهو الصياح بشدة وجهد ، فالاصطراخ مبالغة فيه ، أي يصيحون من شدة ما نابهم . وجملة رَبَّنا أَخْرِجْنا بيان لجملة يَصْطَرِخُونَ ، يحسبون أن رفع الأصوات أقرب إلى علم اللّه بندائهم ولإظهار عدم إطاقة ما هم فيه . وقولهم : نَعْمَلْ صالِحاً وعد بالتدارك لما فاتهم من الأعمال الصالحة ولكنها إنابة بعد إبانها . ولإرادة الوعد جزم نَعْمَلْ صالِحاً في جواب الدعاء . والتقدير : إن تخرجنا نعمل صالحا . و غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ نعت ل صالِحاً ، أي عملا مغايرا لما كنا نعمله في الدنيا وهذا ندامة على ما كانوا يعملونه لأنهم أيقنوا بفساد عملهم وضره فإن ذلك العالم عالم الحقائق . أَ وَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ ما يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ . الواو عاطفة فعل قول محذوفا لعلمه من السياق بحسب الضمير في نُعَمِّرْكُمْ معطوفا على جملة وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيها فإن صراخهم كلام منهم ، والتقدير : يقولون ربنا أخرجنا ونقول ألم نعمركم . والاستفهام تقريع للتوبيخ ، وجعل التقرير على النفي توطئة لينكره المقرّر حتى إذا قال : بلى علم أنه لم يسعه الإنكار حتى مع تمهيد وطاء الإنكار إليه . والتعمير : تطويل العمر . وقد تقدم غير مرة ، منها عند قوله تعالى : يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ في سورة البقرة [ 96 ] ، وقوله : وَما يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ في هذه السورة [ 11 ] . و ما ظرفية مصدرية ، أي زمان تعمير معمّر . وجملة يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ صفة ل ما ، أي زمانا كافيا بامتداده للتذكّر والتبصير . و النَّذِيرُ الرسول محمد صلّى اللّه عليه وسلّم .