الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

172

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

وجملة وَجاءَكُمُ النَّذِيرُ عطف على جملة « ألم نعمركم » لأن معناها الخبر فعطف عليها الخبر ، على أن عطف الخبر على الإنشاء جائز على التحقيق وهو هنا حسن . ووصف الرسول بالنذير لأن الأهم من شأنه بالنسبة إليهم هو النذارة . والفاء في فَذُوقُوا للتفريع . وحذف مفعول « ذوقوا » لدلالة المقام عليه ، أي ذوقوا العذاب . والأمر في قوله فَذُوقُوا مستعمل في معنى الدوام وهو كناية عن عدم الخلاص من العذاب . وقوله : فَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ تفريع على ما سبق من الحكاية . فيجوز أن يكون من جملة الكلام الذي وبخهم اللّه به فهو تذييل له وتفريع عليه لتأييسهم من الخلاص يعني : فأين الذين زعمتم أنهم أولياؤكم ونصراؤكم فما لكم من نصير . وعدل عن ضمير الخطاب أن يقال : فما لكم من نصير ، إلى الاسم الظاهر بوصف « الظالمين » لإفادة سبب انتفاء النصير عنهم ؛ ففي الكلام إيجاز ، أي لأنكم ظالمون وما للظالمين من نصير ، فالمقصود ابتداء نفي النصير عنهم ويتبعه التعميم بنفي النصير عن كل من كان مثلهم من المشركين . ويجوز أن يكون كلاما مستقلا مفرعا على القصة ذيّلت به للسامعين من قوله : وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نارُ جَهَنَّمَ [ فاطر : 36 ] ، فليس فيه عدول عن الإضمار إلى الإظهار لأن المقصود إفادة شمول هذا الحكم لكل ظالم فيدخل الذين كفروا المتحدث عنهم في العموم . والظلم : هو الاعتداء على حق صاحب حق ، وأعظمه الشرك لأنه اعتداء على اللّه بإنكار صفته النفيسة وهي الوحدانية ، واعتداء المشرك على نفسه إذ أقحمها في العذاب قال تعالى : إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ [ لقمان : 13 ] . وتعميم « الظالمين » وتعميم « النصير » يقتضي أن نصر الظالم تجاوز للحق ، لأن الحق أن لا يكون للظالم نصير ، إذ واجب الحكمة والحقّ أن يأخذ المقتدر على يد كل ظالم لأن الأمة مكلفة بدفع الفساد عن جماعتها . وفي هذا إبطال لخلق أهل الجاهلية القائلين في أمثالهم « انصر أخاك ظالما أو