الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

162

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ مِنَ الْكِتابِ هُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ . لما كان المبدأ به من أسباب ثواب المؤمنين هو تلاوتهم كتاب اللّه أعقب التنويه بهم بالتنويه بالقرآن للتذكير بذلك ، ولأن في التذكير بجلال القرآن وشرفه إيماء إلى علة استحقاق الذين يتلونه ما استحقوا . وابتدئ التنويه به بأنه وحي من اللّه إلى رسوله ، وناهيك بهذه الصلة تنويها بالكتاب ، وهو يتضمن تنويها بشأن الذي أنزل عليه من قوله : وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ ، ففي هذا مسرة للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم وبشارة له بأنه أفضل الرسل وأن كتابه أفضل الكتب . وهذه نكتة تعريف المسند إليه باسم الموصول لما في الصلة من الإيماء إلى وجه كونه الحق الكامل ، دون الإضمار الذي هو مقتضى الظاهر بأن يقال : وهو الكتاب الحق . فالتعريف في الْكِتابِ تعريف العهد . و مِنَ بيانية لما في الموصول من الإبهام ، والتقدير : والكتاب الذي أوحينا إليك هو الحقّ . فقدم الموصول الذي حقه أن يقع صفة للكتاب تقديما للتشويق بالإبهام ليقع بعده التفصيل فيتمكن من الذهن فضل تمكن . فجملة وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ مِنَ الْكِتابِ معطوفة على جملة إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتابَ اللَّهِ [ فاطر : 29 ] فهي مثلها في حكم الاستئناف . وضمير هُوَ ضمير فصل ، وهو تأكيد لما أفاده تعريف المسند من القصر . والتعريف في الْحَقُّ تعريف الجنس . وأفاد تعريف الجزأين قصر المسند على المسند إليه ، أي قصر جنس الحق على الَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ ، وهو قصر ادعائي للمبالغة لعدم الاعتداد بحقيّة ما عداه من الكتب . فأما الكتب غير الإلهية مثل ( الزندفستا ) كتاب ( زرادشت ) ومثل كتب الصابئة فلأنّ ما فيها من قليل الحق قد غمر بالباطل والأوهام . وأما الكتب الإلهية كالتوراة والإنجيل وما تضمنته كتب الأنبياء كالزبور وكتاب أرميا من الوحي الإلهي ، فما شهد القرآن بحقيته فقد دخل في شهادة قوله : مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ ، وما جاء نسخه بالقرآن فقد بين النسخ تحديد صلاحيته في القرآن . وذلك أيضا