الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
163
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
تصديق لها لأنه يدفع موهم بطلانها عند من يجد خلافها في القرآن وما عسى أن يكون قد نقل على تحريف أو تأويل فقد دخل فيما أخرجه القصر . وقد بين القرآن معظمه وكشف عن مواقعه كقوله : وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْراجُهُمْ [ البقرة : 85 ] . ومعنى « ما بين يديه » ما سبقه لأن السابق يجيء متقدّما على المسبوق فكأنه يمشي بين يديه كقوله تعالى : إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذابٍ شَدِيدٍ [ سبأ : 46 ] . والمراد بما بين يديه ما قبله من الشرائع ، وأهمها شريعة موسى وشريعة عيسى عليهما السلام . وانتصب مُصَدِّقاً على الحال من الْكِتابِ والعامل في الحال فعل أَوْحَيْنا ليفيد أنه مع كونه حقّا بالغا في الحقيّة فهو مصدق للكتب الحقّة ، ومقرر لما اشتملت عليه من الحق . إِنَّ اللَّهَ بِعِبادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ . تذييل جامع لما تضمنته الآيات قبله من تفضيل بعض عباد اللّه على بعض ومن انطواء ضمائرهم على الخشية وعدمها ، وإقبال بعضهم على الطاعات وإعراض بعض ، ومن تفضيل بعض كتب اللّه على بعض المقتضي أيضا تفضيل بعض المرسلين بها على بعض ، فموقع قوله : إِنَّ اللَّهَ بِعِبادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ موقع إقناع السامعين بأن اللّه عليم بعباده وهو يعاملهم بحسب ما يعلم منهم ، ويصطفي منهم من علم أنه خلقه كفئا لاصطفائه ، فألقم بهذا الذين قالوا : أَ أُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنا [ ص : 8 ] حجرا ، وكأولئك أيضا الذين ينكرون القرآن من أهل الكتاب بعلة أنه جاء مبطلا لكتابهم . والخبير : العالم بدقائق الأمور المعقولة والمحسوسة والظاهرة والخفية . والبصير : العالم بالأمور المبصرة . وتقديم الخبير على البصير لأنه أشمل . وذكر البصير عقبه للعناية بالأعمال التي هي من المبصرات وهي غالب شرائع الإسلام ، وقد تكرر إرداف الخبير بالبصير في مواضع كثيرة من القرآن . والتأكيد ب إِنَّ واللام للاهتمام بالمقصود من هذا الخبر . [ 32 ] [ سورة فاطر ( 35 ) : آية 32 ] ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سابِقٌ بِالْخَيْراتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ ( 32 ) ثُمَّ للترتيب الرتبي كما هو شأنها في عطفها الجمل فهي هنا لعطف الجمل عطفا