الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
161
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
والمعنى : ليرجوا أن تكون أعمالهم كتجارة رابحة . والبوار : الهلاك . وهلاك التجارة : خسارة التاجر . فمعنى لَنْ تَبُورَ أنها رابحة . و لَنْ تَبُورَ صفة تِجارَةً . والمعنى : أنهم يرجون عدم بوار التجارة . فالصفة مناط التبشير والرجاء لا أصل التجارة لأن مشابهة العمل الفظيع لعمل التاجر شيء معلوم . و لِيُوَفِّيَهُمْ متعلق ب يَرْجُونَ ، أي بشرناهم بذلك وقدّرناه لهم لنوفيهم أجورهم . ووقع الالتفات من التكلم في قوله : مِمَّا رَزَقْناهُمْ إلى الغيبة رجوعا إلى سياق الغيبة من قوله : يَتْلُونَ كِتابَ اللَّهِ أي ليوفي اللّه الذين يتلون كتابه . والتوفية : جعل الشيء وافيا ، أي تامّا لا نقيصة فيه ولا غبن . وأسجل عليهم الفضل بأنه يزيدهم على ما تستحقه أعمالهم ثوابا من فضله ، أي كرمه ، وهو مضاعفة الحسنات الواردة في قوله تعالى : كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ [ البقرة : 261 ] الآية . وذيل هذا الوعد بما يحققه وهو أن الغفران والشكران من شأنه ، فإنّ من صفاته الغفور الشكور ، أي الكثير المغفرة والشديد الشكر . فالمغفرة تأتي على تقصير العباد المطيعين ، فإن طاعة اللّه الحقّ التي هي بالقلب والعمل والخواطر لا يبلغ حق الوفاء بها إلّا المعصوم ولكن اللّه تجاوز عن الأمة فيما حدّثت به أنفسها ، وفيما همت به ولم تفعله ، وفي اللمم ، وفي محو الذنوب الماضية بالتوبة ، والشكر كناية عن مضاعفة الحسنات على أعمالهم فهو شكر بالعمل لأن الذي يجازي على عمل المجزيّ بجزاء وافر يدل جزاؤه على أنه حمد للفاعل فعله . وأكد هذا الخبر بحرف التأكيد زيادة في تحقيقه ، ولما في التأكيد من الإيذان بكون ذلك علة لتوفية الأجور والزيادة فيها . وفي الآية ما يشمل ثواب قرّاء القرآن ، فإنهم يصدق عنهم أنهم من الذين يتلون كتاب اللّه ويقيمون الصلاة ولو لم يصاحبهم التدبر في القرآن فإن للتلاوة حظها من الثواب والتنوّر بأنوار كلام اللّه . [ 31 ] [ سورة فاطر ( 35 ) : آية 31 ] وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ مِنَ الْكِتابِ هُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ إِنَّ اللَّهَ بِعِبادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ ( 31 )