الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
160
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
وأتبع ما هو علامة قبول الإيمان والعلم به بعلامة أخرى وهي إقامة الصلاة كما تقدم في سورة البقرة [ 2 ] الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ فإنها أعظم الأعمال البدنية ، ثم أتبعت بعمل عظيم من الأعمال في المال وهي الإنفاق ، والمراد بالإنفاق حيثما أطلق في القرآن هو الصدقات واجبها ومستحبها وما ورد الإنفاق في السور المكية إلّا والمراد به الصدقات المستحبة إذ لم تكن الزكاة قد فرضت أيامئذ ؛ على أنه قد تكون الصدقة مفروضة دون نصب ولا تحديد ثم حدّدت بالنصب والمقادير . وجيء في جانب إقامة الصلاة والإنفاق بفعل المضي لأن فرض الصلاة والصدقة قد تقرر وعملوا به فلا تجدد فيه ، وامتثال الذي كلفوا به يقتضي أنهم مداومون عليه . وقوله : مِمَّا رَزَقْناهُمْ إدماج للامتنان وإيماء إلى أنه إنفاق شكر على نعمة اللّه عليهم بالرزق فهم يعطون منه أهل الحاجة . ووقع الالتفات من الغيبة من قوله : كِتابَ اللَّهِ إلى التكلم في قوله : مِمَّا رَزَقْناهُمْ لأنه المناسب للامتنان . وانتصب سِرًّا وَعَلانِيَةً على الصفة لمصدر أَنْفَقُوا محذوف ، أي إنفاق سر وإنفاق علانية والمصدر مبين للنوع . والمعنى : أنهم لا يريدون من الإنفاق إلّا مرضاة اللّه تعالى لا يراءون به ، فهم ينفقون حيث لا يراهم أحد وينفقون بمرأى من الناس فلا يصدهم مشاهدة الناس عن الإنفاق . وفي تقديم السر إشارة إلى أنه أفضل لانقطاع شائبة الرياء منه ، وذكر العلانية للإشارة إلى أنهم لا يصدهم مرأى المشركين عن الإنفاق فهم قد أعلنوا بالإيمان وشرائعه حبّ من حبّ أو كره من كره . و يَرْجُونَ تِجارَةً هو خبر إِنَّ . والخبر مستعمل في إنشاء التبشير كأنه قيل : ليرجوا تجارة ، وزاده التعليل بقوله : لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ قرينة على إرادة التبشير . والتجارة مستعارة لأعمالهم من تلاوة وصلاة وإنفاق . ووجه الشبه مشابهة ترتب الثواب على أعمالهم بترتب الربح على التجارة .