الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

155

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

والخطاب للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم ليدفع عنه اغتمامه من مشاهدة عدم انتفاع المشركين بالقرآن . وضرب اختلاف الظواهر في أفراد الصنف الواحد مثلا لاختلاف البواطن تقريبا للأفهام ، فكان هذا الاستئناف من الاستئناف البياني لأن مثل هذا التقريب مما تشرئبّ إليه الأفهام عند سماع قوله : إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشاءُ [ فاطر : 22 ] . والرؤية بصرية ، والاستفهام تقريري ، وجاء التقرير على النفي على ما هو المستعمل كما بيناه عند قوله تعالى : أَ لَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لا يُكَلِّمُهُمْ في سورة الأعراف [ 148 ] وفي آيات أخرى . وضمير فَأَخْرَجْنا التفات من الغيبة إلى التكلم . والألوان : جمع لون وهو عرض ، أي كيفية تعرض لسطوح الأجسام يكيّفه النور كيفيات مختلفة على اختلاف ما يحصل منها عند انعكاسها إلى عدسات الأعين من شبه الظلمة وهو لون السواد وشبه الصبح هو لون البياض ، فهما الأصلان للألوان ، وتنشق منها ألوان كثيرة وضعت لها أسماء اصطلاحية وتشبيهية . وتقدم عند قوله تعالى : قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما لَوْنُها في سورة البقرة [ 69 ] ، وتقدم في سورة النحل . والمقصود من الاعتبار هو اختلاف ألوان الأصناف من النوع الواحد كاختلاف ألوان التفاح مع ألوان السفرجل ، وألوان العنب مع ألوان التين ، واختلاف ألوان الأفراد من الصنف الواحد تارات كاختلاف ألوان التمور والزيتون والأعناب والتفاح والرمان . وذكر إنزال الماء من السماء إدماج في الغرض للاعتبار بقدرة اللّه مع ما فيه من اتحاد أصل نشأة الأصناف والأنواع كقوله تعالى : تسقى بِماءٍ واحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَها عَلى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ [ الرعد : 4 ] وذلك أرعى للاعتبار . وجيء بالجملتين الفعليتين في أَنْزَلَ و « أخرجنا » لأن إنزال الماء وإخراج الثمرات متجدد آنا فآنا . والالتفات من الغيبة إلى التكلم في قوله : أَنْزَلَ وقوله : « أخرجنا » لأن الاسم الظاهر أنسب بمقام الاستدلال على القدرة لأنه الاسم الجامع لمعاني الصفات . وضمير التكلم أنسب بما فيه امتنان . وقدم الاعتبار باختلاف أحوال الثمرات لأن في اختلافها سعة تشبه سعة اختلاف