الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

156

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

الناس في المنافع والمدارك والعقائد . وفي الحديث : « مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن كمثل الأترجة ريحها طيب وطعمها طيب ، ومثل المؤمن الذي لا يقرأ القرآن كمثل التمرة طعمها طيّب ولا ريح لها ، ومثل المنافق الذي يقرأ القرآن كمثل الريحانة ريحها طيّب وطعمها مرّ ، ومثل المنافق الذي لا يقرأ القرآن كمثل الحنظلة طعمها مرّ ولا ريح لها » . وجرد مُخْتَلِفاً من علامة التأنيث مع أن فاعله جمع وشأن النعت السببي أن يوافق مرفوعه في التذكر وضده والإفراد وضده ، ولا يوافق في ذلك منعوته ، لأنه لما كان الفاعل جمعا لما لا يعقل وهو الألوان كان حذف التاء في مثله جائزا في الاستعمال ، وآثره القرآن إيثارا للإيجاز . والمراد بالثمرات : ثمرات النخيل والأعناب وغيرها ، فثمرات النخيل أكثر الثمرات ألوانا ، فإن ألوانها تختلف باختلاف أطوارها ، فمنها الأخضر والأصفر والأحمر والأسود . وَمِنَ الْجِبالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُها وَغَرابِيبُ سُودٌ . عطف على جملة أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ فهي مثلها مستأنفة ، وعطفها عليها للمناسبة الظاهرة . و جُدَدٌ مبتدأ وَمِنَ الْجِبالِ خبره . وتقديم الخبر للاهتمام وللتشويق لذكر المبتدأ حثّا على التأمل والنظر . و مِنَ تبعيضية على معنى : وبعض تراب الجبال جدد ، ففي الجبل الواحد توجد جدد مختلفة ، وقد يكون بعض الجدد بعضها في بعض الجبال وبعض آخر في بعض آخر . و جُدَدٌ : جمع جدّة بضم الجيم ، وهي الطريقة والخطة في الشيء تكون واضحة فيه . يقال للخطة السوداء التي على ظهر الحمار جدّة ، وللظبي جدّتان مسكيّتا اللون تفصلان بين لوني ظهره وبطنه ، والجدد البيض التي في الجبال هي ما كانت صخورا بيضاء مثل المروة ، أو كانت تقرب من البياض فإن من التراب ما يصير في لون الأصهب فيقال : تراب أبيض ، ولا يعنون أنه أبيض كالجير والجص بل يعنون أنه مخالف لغالب ألوان التراب ، والجدد الحمر هي ذات الحجارة الحمراء في الجبال . و غَرابِيبُ جمع غربيب ، والغربيب : اسم للشيء الأسود الحالك سواده ، ولا تعرف له مادة مشتق هو منها ، وأحسب أنه مأخوذ من الجامد ، وهو الغراب لشهرة الغراب بالسواد .