الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
144
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
تعالى : وَما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ [ الأنفال : 33 ] بقرينة قوله عقبه إِنَّما تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وهو تأمين من تعميم العقاب في الآخرة بطريق الأولى ويجوز أن يكون المراد : ولا تزر وازرة وزر أخرى يوم القيامة ، أي إن يشأ يذهبكم جميعا ولا يعذب المؤمنين في الآخرة ، وهذا كقول النبي صلّى اللّه عليه وسلّم « ثم يحشرون على نياتهم » . والوجه الأول أعم وأحسن . وأيّاما كان فإن قضية وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى كلية عامة فكيف وقد قال اللّه تعالى : وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقالَهُمْ وَأَثْقالًا مَعَ أَثْقالِهِمْ في سورة العنكبوت [ 13 ] ، فالجمع بين الآيتين أن هذه الآية نفت أن يحمل أحد وزر آخر لا مشاركة له للحامل على اقتراف الوزر ، وأما آية سورة العنكبوت فموردها في زعماء المشركين الذين موّهوا الضلالة وثبتوا عليها ، فإن أول تلك الآية وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنا وَلْنَحْمِلْ خَطاياكُمْ [ العنكبوت : 12 ] ، وكانوا يقولون ذلك لكل من يستروحون منه الإقبال على الإيمان بالأحرى . وأصل الوزر بكسر الواو : هو الوقر بوزنه ومعناه . وهو الحمل بكسر الحاء ، أي ما يحمل ، ويقال : وزر إذا حمل . فالمعنى : ولا تحمل حاملة حمل أخرى ، أي لا يحمل اللّه نفسا حملا جعله لنفس أخرى عدلا منه تعالى لأن اللّه يحب العدل وقد نفى عن شأنه الظلم وإن كان تصرفه إنما هو في مخلوقاته . وجرى وصف الوازرة على التأنيث لأنه أريد به النفس . ووجه اختيار الإسناد إلى المؤنث بتأويل النفس دون أن يجري الإضمار على التذكير بتأويل الشخص ، لأن معنى النفس هو المتبادر للأذهان عند ذكر الاكتساب كما في قوله تعالى : وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْها في سورة الأنعام [ 164 ] ، وقوله : كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ في سورة المدثر [ 38 ] ، وغير ذلك من الآيات . ثم نبّه على أن هذا الحكم العادل مطرد مستمر حتى لو استغاثت نفس مثقلة بالأوزار من ينتدب لحمل أوزارها أو بعضها لم تجد من يحمل عنها شيئا ، لئلا يقيس الناس الذين في الدنيا أحوال الآخرة على ما تعارفوه ، فإن العرب تعارفوا النجدة إذا استنجدوا ولو كان لأمر يضر بالمنجد . ومن أمثالهم « لو دعي الكريم إلى حتفه لأجاب » ، وقال ودّاك بن ثميل المازني : إذا استنجدوا لم يسألوا من دعاهم * لأيّة حرب أم بأي مكان