الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
145
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
ولذلك سمي طلب الحمل هنا دعاء لأن في الدعاء معنى الاستغاثة . وحذف مفعول تَدْعُ لقصد العموم . والتقدير : وإن تدع مثقلة أيّ مدعوّ . وقوله : إِلى حِمْلِها متعلق ب تَدْعُ ، وجعل الدعاء إلى الحمل لأن الحمل سبب الدعاء وعلته . فالتقدير : وإن تدع مثقلة أحدا إليها لأجل أن يحمل عنها حملها ، فحذف أحد متعلقي الفعل المجرور باللام لدلالة الفعل ومتعلقه المذكور على المحذوف . وهذا إشارة إلى ما سيكون في الآخرة ، أي لو استصرخت نفس من يحمل عنها شيئا من أوزارها ، كما كانوا يزعمون أن أصنامهم تشفع لهم أو غيرهم ، لا تجد من يجيبها لذلك . وقوله : وَلَوْ كانَ ذا قُرْبى في موضع الحال من مُثْقَلَةٌ . و لَوْ وصلية كالتي في قوله تعالى : فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَباً وَلَوِ افْتَدى بِهِ في سورة آل عمران [ 91 ] . والضمير المستتر في كانَ عائد إلى مفعول تَدْعُ المحذوف ، إذ تقديره : وإن تدع مثقلة أحدا إلى حملها كما ذكرنا . فيصير التقدير : ولو كان المدعوّ ذا قربى ، فإن العموم الشمولي الذي اقتضته النكرة في سياق الشرط يصير في سياق الإثبات عموما بدليّا . ووجه ما اقتضته المبالغة من لَوْ الوصلية أن ذا القربى أرق وأشفق على قريبه ، فقد يظن أنه يغني عنه في الآخرة بأن يقاسمه الثقل الذي يؤدي به إلى العذاب فيخف عنه العذاب بالاقتسام . والإطلاق في القربى يشمل قريب القرابة كالأبوين والزوجين كما قال تعالى : يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ [ عبس : 34 ، 35 ] . وهذا إبطال لاعتقاد الغناء الذاتي بالتضامن والتحامل فقد كان المشركون يقيسون أمور الآخرة على أمور الدنيا فيعلّلون أنفسهم إذا هدّدوا بالبعث بأنه إن صح فإن لهم يومئذ شفعاء وأنصارا ، فهذا سياق توجيه هذا إلى المشركين ثم هو بعمومه ينسحب حكمه على جميع أهل المحشر ، فلا يحمل أحد عن أحد إثمه . وهذا لا ينافي الشفاعة الواردة في الحديث ، كما تقدم في سورة سبأ ، فإنها إنما تكون بإذن اللّه تعالى إظهارا لكرامة نبيئه محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ، ولا ينافي ما جعله اللّه للمؤمنين من مكفّرات للذنوب كما ورد أن أفراط المؤمنين يشفعون لأمهاتهم ، فتلك شفاعة جعلية جعلها اللّه كرامة للأمهات المصابة من