الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

93

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

حكى اللّه من محاورة ولدي آدم بقوله قالَ لَأَقْتُلَنَّكَ [ المائدة : 27 ] الآيات ، فتقرر تحريم قتل النفس من أقدم أزمان البشر ولم يجهله أحد من ذرية آدم ، فذلك معنى وصف النفس بالموصول في قوله الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ . وكان قتل النفس متفشيا في العرب بالعداوات ، والغارات ، وبالوأد في كثير من القبائل بناتهم ، وبالقتل لفرط الغيرة ، كما قال امرؤ القيس : تجاوزت أحراسا إليها ومعشرا * عليّ حراصا لو يسرّون مقتلي وقال عنترة : علّقتها عرضا وأقتل قومها * زعما لعمر أبيك ليس بمزعم وقوله إِلَّا بِالْحَقِّ المراد به يومئذ : قتل قاتل أحدهم ، وهو تهيئة لمشروعية الجهاد عقب مدة نزول هذه السورة . ولم يكن بيد المسلمين يومئذ سلطان لإقامة القصاص والحدود . ومضى الكلام على الزنا في سورة سبحان . وقد جمع التخلّي عن هذه الجرائم الثلاث في صلة موصول واحد ولم يكرر اسم الموصول كما كرّر في ذكر خصال تحلّيهم ، للإشارة إلى أنهم لما أقلعوا عن الشرك ولم يدعوا مع اللّه إلها آخر فقد أقلعوا عن أشد القبائح لصوقا بالشرك وذلك قتل النفس والزنا . فجعل ذلك شبيه خصلة واحدة ، وجعل في صلة موصول واحد . وقد يكون تكرير لا مجزئا عن إعادة اسم الموصول وكافيا في الدلالة على أن كل خصلة من هذه الخصال موجبة لمضاعفة العذاب ، ويؤيّده ما في « صحيح مسلم » من حديث عبد اللّه بن مسعود قال : قلت يا رسول اللّه أيّ الذنب أكبر ؟ قال : أن تدعو للّه ندّا وهو خلقك . قلت : ثم أيّ ؟ قال : أن تقتل ولدك خيفة أن يطعم معك . قلت : ثم أيّ : قال : أن تزاني حليلة جارك . فأنزل اللّه تعالى تصديقها وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ إلى أَثاماً ، وفي رواية ابن عطية ثم قرأ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم هذه الآية . وقد علمت أن هذه الآيات الثلاث إلى قوله غَفُوراً رَحِيماً [ الفرقان : 68 - 70 ] قيل نزلت بالمدينة . والإشارة ب ذلِكَ إلى ما ذكر من الكبائر على تأويله بالمذكور ، كما تقدم في نظيره آنفا . والمتبادر من الإشارة أنها إلى المجموع ، أي من يفعل مجموع الثلاث . ويعلم أن جزاء من يفعل بعضها ويترك بعضا عدا الإشراك دون جزاء من يفعل جميعها ، وأنّ البعض أيضا مراتب ، وليس المراد من يفعل كل واحدة مما ذكر يلق آثاما لأن لقيّ الآثام بيّن هنا