الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

94

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

بمضاعفة العذاب والخلود فيه . وقد نهضت أدلة متظافرة من الكتاب والسنة على أن ما عدا الكفر من المعاصي لا يوجب الخلود ، مما يقتضي تأويل ظواهر الآية . ويجوز أن تكون مضاعفة العذاب مستعملة في معنى قوته ، أي يعذب عذابا شديدا وليست لتكرير عذاب مقدر . والآثام بفتح الهمزة جزاء الإثم على زنة الوبال والنكال ، وهو أشد من الإثم ، أي يجازى على ذلك سوءا لأنها آثام . وجملة : يُضاعَفْ لَهُ الْعَذابُ بدل اشتمال من يَلْقَ أَثاماً ، وإبدال الفعل من الفعل إبدال جملة فإن كان في الجملة فعل قابل للإعراب ظهر إعراب المحل في ذلك الفعل لأنه عماد الجملة . وجعل الجزاء مضاعفة العذاب والخلود . فأما مضاعفة العذاب فهي أن يعذّب على كل جرم مما ذكر عذابا مناسبا ولا يكتفى بالعذاب الأكبر عن أكبر الجرائم وهو الشرك ، تنبيها على أن الشرك لا ينجي صاحبه من تبعة ما يقترفه من الجرائم والمفاسد ، وذلك لأن دعوة الإسلام للناس جاءت بالإقلاع عن الشرك وعن المفاسد كلها . وهذا معنى قول من قال من العلماء بأن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة يعنون خطاب المؤاخذة على ما نهوا عن ارتكابه ، وليس المراد أنهم يطلب منهم العمل إذ لا تقبل منهم الصالحات بدون الإيمان ، ولذلك رام بعض أهل الأصول تخصيص الخلاف بخطاب التكليف لا الاتلاف والجنايات وخطاب الوضع كله . وأما الخلود في العذاب فقد اقتضاه الإشراك . وقوله : مُهاناً حال قصد منها تشنيع حالهم في الآخرة ، أي يعذّب ويهان إهانة زائدة على إهانة التعذيب بأن يشتم ويحقر . وقرأ الجمهور : يُضاعَفْ بألف بعد الضاد وبجزم الفعل . وقرأه ابن كثير وابن عامر وأبو جعفر ويعقوب يُضاعَفْ بتشديد العين وبالجزم . وقرأه ابن عامر وأبو بكر عن عاصم يُضاعَفْ بألف بعد الضاد وبرفع الفعل على أنه استئناف بياني . [ 70 ] [ سورة الفرقان ( 25 ) : آية 70 ] إِلاَّ مَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صالِحاً فَأُوْلئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً ( 70 ) الاستثناء من العموم الذي أفادته مَنْ الشرطية في قوله : وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ