الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

49

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

الأمثال تنقيص شأن النبي ذكروا بأنهم أهل شر المكان وضلال السبيل دون النبي صلّى اللّه عليه وسلّم . فالموصول مبتدأ واسم الإشارة خبر عنه . وقد تقدم معنى يُحْشَرُونَ عَلى وُجُوهِهِمْ في سورة الإسراء [ 97 ] عند قوله وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَلى وُجُوهِهِمْ . وتقدم ذكر الحديث في السّؤال عن كيف يمشون على وجوههم . وشرّ : اسم تفضيل . وأصله أشرّ وصيغتا التفضيل في قوله شَرٌّ ، و أَضَلُّ مستعملتان للمبالغة في الاتصاف بالشر والضلال كقوله قالَ أَنْتُمْ شَرٌّ مَكاناً [ يوسف : 77 ] في جواب قول إخوة يوسف إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ [ يوسف : 77 ] . وتعريف جزأي الجملة يفيد القصر وهو قصر للمبالغة بتنزيلهم منزلة من انحصر الشر والضلال فيهم . وروي عن مقاتل أن الكفار قالوا للمسلمين : هم شر الخلق ، فنزلت هذه الآية فيكون القصر قصر قلب ، أي هم شر مكانا وأضل سبيلا لا المسلمون ، وصيغتا التفضيل مسلوبتا المفاضلة على كلا الوجهين . والمكان : المقر . والسبيل : الطريق ، مكانهم جهنم ، وطريقهم الطريق الموصل إليها وهو الذي يحشرون فيه على وجوههم . والإتيان باسم الإشارة عقب ما تقدم للتنبيه على أن المشار إليهم أحرياء بالمكان الأشرّ والسبيل الأضل ، لأجل ما سبق من أحوالهم التي منها قولهم لَوْ لا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً [ الفرقان : 32 ] . و سَبِيلًا تمييز محوّل عن الفاعل ، فأصله : وضل سبيلهم . وإسناد الضلال إلى السبيل في التركيب المحول عنه مجاز عقلي لأن السبيل سبب ضلالهم . [ 35 ، 36 ] [ سورة الفرقان ( 25 ) : الآيات 35 إلى 36 ] وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَجَعَلْنا مَعَهُ أَخاهُ هارُونَ وَزِيراً ( 35 ) فَقُلْنَا اذْهَبا إِلَى الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا فَدَمَّرْناهُمْ تَدْمِيراً ( 36 ) لما جرى الوعيد والتسلية بذكر حال المكذبين للرسول عليه الصلاة والسلام عطف على ذلك تمثيلهم بالأمم المكذبين رسلهم ليحصل من ذلك موعظة هؤلاء وزيادة تسلية الرسول والتعريض بوعده بالانتصار له . وابتدئ بذكر موسى وقومه لأنه أقرب زمنا من الذين ذكروا بعده ولأن بقايا شرعه