الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

50

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

وأمته لم تزل معروفة عند العرب ، فإن صح ما روي أن الذين قالوا : لَوْ لا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً [ الفرقان : 32 ] اليهود ، فوجه الابتداء بذكر ما أوتي موسى أظهر . وحرف التحقيق ولام القسم لتأكيد الخبر باعتبار ما يشتمل عليه من الوعيد بتدميرهم . وأريد بالكتاب الوحي الذي يكتب ويحفظ وذلك من أول ما ابتدئ بوحيه إليه ، وليس المراد بالكتاب الألواح لأن إيتاءه الألواح كان بعد زمن قوله اذْهَبا إِلَى الْقَوْمِ ، فقوله فَقُلْنَا اذْهَبا مفرع عن إيتاء الكتاب ، فالإيتاء متقدم عليه . وفي وصف الوحي بالكتاب تعريض بجهالة المشركين القائلين لَوْ لا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً [ الفرقان : 32 ] ، فإن الكتب التي أوتيها الرسل ما كانت إلا وحيا نزل منجّما فجمعه الرسل وكتبه أتباعهم . والتعرض هنا إلى تأييد موسى بهارون تعريض بالرد على المشركين إذ قالوا لَوْ لا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيراً [ الفرقان : 7 ] فإن موسى لما اقتضت الحكمة تأييده لم يؤيد بملك ولكنه أيّد برسول مثله . والوزير : المؤازر وهو المعاون المظاهر ، مشتق من الأزر وهو القوة . وأصل الأزر : شدّ الظهر بإزار عند الإقبال على عمل ذي تعب ، وقد تقدم في سورة طه . وكان هارون رسولا ثانيا وموسى هو الأصل . والقوم هم قبط مصر قوم فرعون . و الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وصف للقوم وليس هو من المقول لموسى وهارون لأن التكذيب حينئذ لمّا يقع منهم ، ولكنه وصف لإفادة قراء القرآن أن موسى وهارون بلّغا الرسالة وأظهر اللّه منهما الآيات فكذب بها قوم فرعون فاستحقوا التدمير تعريضا بالمشركين في تكذيبهم محمدا صلّى اللّه عليه وسلّم ، وتمهيدا للتفريع ب فَدَمَّرْناهُمْ تَدْمِيراً الذي هو المقصود من الموعظة والتسلية . والموصول في قوله : الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا للإيماء إلى علة الخبر عنهم بالتدمير . وقد حصل بهذا النظم إيجاز عجيب اختصرت به القصة فذكر منها حاشيتاها : أولها وآخرها لأنهما المقصود بالقصة وهو استحقاق الأمم التدمير بتكذيبهم رسلهم . والتدمير : الإهلاك ، والهلاك : دمور . واتباع الفعل بالمفعول المطلق لما في تنكير المصدر من تعظيم التدمير وهو الإغراق