الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
32
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
الرب لا يضيع أولياءه كقوله : وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِما يَقُولُونَ * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ * وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ [ الحجر : 97 - 99 ] أي النصر المحقق . [ 21 ] [ سورة الفرقان ( 25 ) : آية 21 ] وَقالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلائِكَةُ أَوْ نَرى رَبَّنا لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيراً ( 21 ) حكاية مقالة أخرى من مقالات تكذيبهم الرسول عليه الصلاة والسلام ، وقد عنون عليهم في هذه المقالة ب الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا وعنون عليهم في المقالات السابقة ب الَّذِينَ كَفَرُوا [ الفرقان : 4 ] وب الظَّالِمُونَ [ الفرقان : 8 ] لأن بين هذا الوصف وبين مقالتهم انتقاض ، فهم قد كذّبوا بلقاء الآخرة بما فيه من رؤية اللّه والملائكة ، وطلبوا رؤية اللّه في الدنيا ، ونزول الملائكة عليهم في الدنيا ، وأرادوا تلقي الدين من الملائكة أو من اللّه مباشرة ، فكان في حكاية قولهم وذكر وصفهم تعجيب من تناقض مداركهم . واعلم أن أهل الشرك شهدوا أنفسهم بإنكار البعث وتوهّموا أن شبهتهم في إنكاره أقوى حجة لهم في تكذيب الرسل ، فمن أجل ذلك أيضا جعل قولهم ذلك طريقا لتعريفهم بالموصول كما قال تعالى : وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هذا أَوْ بَدِّلْهُ في سورة يونس [ 15 ] . و لَوْ لا حرف تحضيض مستعمل في التعجيز والاستحالة ، أي هلا أنزل علينا الملائكة فنؤمن بما جئت به ، يعنون أنه إن كان صادقا فليسأل من ربه وسيلة أخرى لإبلاغ الدين إليهم . ومعنى : لا يَرْجُونَ لا يظنون ظنّا قريبا ، أي يعدّون لقاء اللّه محالا . ومقصدهم من مقالهم أنهم أعلى من أن يتلقوا الدين من رجل مثلهم ، ولذلك عقب بقوله : لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيراً على معنى التعجيب من ازدهائهم وغرورهم الباطل . والجملة استئناف يتنزّل منزلة جواب عن قولهم . والتأكيد بلام القسم لإفادة معنى التعجيب لأن القسم يستعمل في التعجب كقول أحد بني كلاب أو بني نمير أنشده ثعلب في « مجالسه » والقالي في « أماليه » : ألا يا سنا برق على قلل الحمى * لهنّك من برق علي كريم