الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
33
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
فإن قوله : من برق ، في قوة التمييز وإنما يكون التمييز فيه لما فيه من معنى التعجب . والاستكبار : مبالغة في التكبر ، فالسين والتاء للمبالغة مثل استجاب . و فِي للظرفية المجازية ؛ شبهت أنفسهم بالظروف في تمكن المظروف منها ، أي هو استكبار متمكن منهم كقوله تعالى : وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَ فَلا تُبْصِرُونَ [ الذاريات : 21 ] . ويجوز أن تكون فِي للتعليل كما في الحديث « دخلت امرأة النار في هرّة حبستها » الحديث ، أي استكبروا لأجل عظمة أنفسهم في زعمهم . وليست الظرفية حقيقية لقلّة جدوى ذلك ؛ إذ من المعلوم أن الاستكبار لا يكون إلا في النفس لأنه من الأفعال النفسية . والعتوّ : تجاوز الحد في الظلم ، وتقدم في قوله تعالى : وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ في الأعراف [ 77 ] . وإنما كان هذا ظلما لأنهم تجاوزوا مقدار ما خولهم اللّه من القابلية . وفي هذا إيماء إلى أن النبوءة لا تكون بالاكتساب وإنما هي إعداد من اللّه تعالى قال : اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رسالاته [ الأنعام : 124 ] . [ 22 ] [ سورة الفرقان ( 25 ) : آية 22 ] يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلائِكَةَ لا بُشْرى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ وَيَقُولُونَ حِجْراً مَحْجُوراً ( 22 ) استئناف ثان جواب عن مقالتهم ، فبعد إبداء التعجيب منها عقّب بوعيد لهم ، فيه حصول بعض ما طلبوا حصوله الآن ، أي هم سيرون الملائكة ولكنها رؤية تسوؤهم حين يرون زبانية العذاب يسوقونهم إلى النار ، ففي هذا الاستئناف تلميح وتهكم بهم لأن ابتداءه مطمع بالاستجابة وآخره مؤيس بالوعيد ، فالكلام جرى على طريقة الغيبة لأنه حكاية عن تورّكهم ، والمقصود إبلاغه لهم حين يسمعونه . وانتصب يَوْمَ يَرَوْنَ على الظرفية ل لا بُشْرى . وتقديم الظرف للاهتمام به لإثارة الطمع وللتشويق إلى تعيين إبانه حتى إذا ورد ما فيه خيبة طمعهم كان له وقع الكآبة على نفوسهم حينما يسمعونه . وإعادة يَوْمَئِذٍ تأكيد . وذكر وصف المجرمين إظهار في مقام الإضمار للتسجيل عليهم بأنهم مجرمون بعد أن وصفوا بالكفر والظلم واليأس من لقاء اللّه . وانتفاء البشرى مستعمل في إثبات ضده وهو الحزن . و ( حجر ) - بكسر الحاء وسكون الجيم ، ويقال بفتح الحاء وضمها على الندرة - فهي