الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
31
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
إعداد نفوسهم لتلقي الفيوضات الإلهية . وللّه تعالى حفاظ على نواميس نظام الخلائق والعوالم لأنه ما خلقها عبثا فهو لا يغيرها إلا بمقدار ما تتعلق به إرادته من تأييد الرسل بالمعجزات ونحو ذلك . وَجَعَلْنا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَ تَصْبِرُونَ وَكانَ رَبُّكَ بَصِيراً . تذييل ، فضمير الخطاب في قوله : بَعْضَكُمْ يعم جميع الناس بقرينة السياق . وكلا البعضين مبهم يبينه المقام . وحال الفتنة في كلا البعضين مختلف ، فبعضها فتنة في العقيدة ، وبعضها فتنة في الأمن ، وبعضها فتنة في الأبدان . والإخبار عنه ب فِتْنَةً مجازي لأنه سبب الفتنة ، وشمل أحد البعضين النبي صلّى اللّه عليه وسلّم والمؤمنين معه ، والبعض الآخر المشركين ؛ فكان حال الرسول فتنة للمشركين إذ زعموا أن حاله مناف للرسالة فلم يؤمنوا به وكان حال المؤمنين في ضعفهم فتنة للمشركين إذ ترفعوا عن الإيمان الذي يسويهم بهم ، فقد كان أبو جهل والوليد بن المغيرة والعاصي بن وائل وأضرابهم يقولون : إن أسلمنا وقد أسلم قبلنا عمار بن ياسر وصهيب وبلال ترفعوا علينا إدلالا بالسابقة . وهذا كقول صناديد قوم نوح لا نؤمن حتى تطرد الذين آمنوا بك فقال : وَما أَنَا بِطارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ وَلكِنِّي أَراكُمْ قَوْماً تَجْهَلُونَ * وَيا قَوْمِ مَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ طَرَدْتُهُمْ أَ فَلا تَذَكَّرُونَ [ هود : 29 ، 30 ] . وقال تعالى للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم : وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ما عَلَيْكَ مِنْ حِسابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَما مِنْ حِسابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ * وَكَذلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَ هؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنا أَ لَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ [ الأنعام : 52 ، 53 ] . والكلام تسلية للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم عن إعراض بعض قومه عن الإسلام ، ولذلك عقب بقوله : أَ تَصْبِرُونَ ، وهو استفهام مستعمل في الحث والأمر كقوله : فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ [ المائدة : 91 ] . وموقع وَكانَ رَبُّكَ بَصِيراً موقع الحث على الصبر المأمور به ، أي هو عليم بالصابرين ، وإيذان بأن اللّه لا يضيع جزاء الرسول على ما يلاقيه من قومه وأنه ناصره عليهم . وفي الإسناد إلى وصف الرب مضافا إلى ضمير النبي إلماع إلى هذا الوعد فإن