الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

298

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

أتوا بالإنكار في صورة الاستفهام لتجهيل معتقد ذلك وتعجيزه عن الجواب بزعمهم . والتأكيد ب إِنْ لمجاراة كلام المردود عليه بالإنكار . والتأكيد تهكم . وقرأ نافع وأبو جعفر إِذا كُنَّا تُراباً بهمزة واحدة هي همزة ( إذا ) على تقدير همزة استفهام محذوفة للتخفيف من اجتماع همزتين ، أو بجعل ( إذا ) ظرفا مقدّما على عامله والمستفهم عنه هو إِنَّا لَمُخْرَجُونَ . وقرأ أبو عمرو وعاصم وحمزة بهمزتين في أَ إِذا - و أَ إِنَّا على اعتبار تكرير همزة الاستفهام في الثانية لتأكيد الأولى ، إلا أن أبا عمرو خفف الثانية من الهمزتين في الموضعين وعاصما وحمزة حققاهما . وهؤلاء كلهم حذفوا نون المتكلم المشارك تخفيفا من الثقل الناشئ من وقوع نون المتكلم بعد نون ( إن ) . وقرأ ابن عامر والكسائي أَ إِذا بهمزتين وإننا بهمزة واحدة وبنونين اكتفاء بالهمزة الأولى للاستفهام ، وكلها استعمال فصيح . وقد تقدم في سورة المؤمنين حكاية مثل هذه المقالة عن الذين كفروا إلا أن اسم الإشارة الأول وقع مؤخرا عن نَحْنُ في سورة المؤمنين [ 83 ] ووقع مقدما عليه هنا ، وتقديمه وتأخيره سواء في أصل المعنى لأنه مفعول ثان ل وُعِدْنا وقع بعد نائب الفاعل في الآيتين . وإنما يتجه أن يسأل عن تقديمه على توكيد الضمير الواقع نائبا على الفاعل . وقد ناطها في « الكشاف » بأن التقديم دليل على أن المقدم هو الغرض المعتمد بالذكر وبسوق الكلام لأجله . وبينه السكاكي في « المفتاح » بأن ما وقع في سورة المؤمنين كان بوضع المنصوب بعد المرفوع وذلك موضعه . وأما ما في سورة النمل فقدم المنصوب على المرفوع لكونه فيها أهم ، يدلك على ذلك أن الذي قبله إِذا كُنَّا تُراباً وَآباؤُنا والذي قبل آية سورة المؤمنين أَ إِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً وَعِظاماً [ المؤمنون : 82 ] فالجهة المنظور فيها هناك ( في سورة المؤمنين ) هي كون أنفسهم ترابا وعظاما ، والجهة المنظور فيها هنا في سورة النمل هي كون أنفسهم وكون آبائهم ترابا لا جزء هناك من بناهم ( جمع بنية ) على - أي باقيا - صورة نفسه ( أي على صورته التي كان عليها وهو حي ) . ولا شبهة أنها أدخل عندهم في تبعيد البعث فاستلزم زيادة الاعتناء بالقصد إلى ذكره فصيره هذا العارض أهم اه . وحاصل الكلام أن كل آية حكت أسلوبا من مقالهم بَلْ قالُوا مِثْلَ ما قالَ الْأَوَّلُونَ . . . قالُوا أَ إِذا مِتْنا [ المؤمنون : 81 ، 82 ] لَقَدْ وُعِدْنا هذا نَحْنُ وَآباؤُنا .