الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

299

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

وبعد فقد حصل في الاختلاف بين أسلوب الآيتين تفنن كما تقدم في المقدمة السابعة . والأساطير : جمع أسطورة ، وهي القصة والحكاية . وتقدم الكلام على ذلك عند قوله تعالى وَإِذا قِيلَ لَهُمْ ما ذا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قالُوا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ في سورة النحل [ 24 ] . والمعنى : ما هذا إلا كلام معاد قاله الأولون وسطّروه وتلقفه من جاء بعدهم ولم يقع شيء منه . [ 69 ] [ سورة النمل ( 27 ) : آية 69 ] قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ ( 69 ) أمر الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم بأن يقول لهم هذه الكلمة ولذلك فصل فعل قُلْ وتقدم نظيره في سورة الأنعام [ 11 ] . والمناسبة في الموضعين هي الموعظة بحال المكذبين لأن إنكارهم البعث تكذيب للرسول وإجرام . والوعيد بأن يصيبهم مثل ما أصابهم إلا أنها هنالك عطفت ب ثُمَّ انْظُرُوا وهنا بالفاء فَانْظُرُوا وهما متآئلان . وذكر هنالك عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ [ الأنعام : 11 ] وذكر هنا عاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ : والمكذبون مجرمون . والاختلاف بين الحكايتين للتفنن كما قدمناه في المقدمة السابعة . [ 70 ] [ سورة النمل ( 27 ) : آية 70 ] وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلا تَكُنْ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ ( 70 ) كانت الرحمة غالبة على النبي صلّى اللّه عليه وسلّم والشفقة على الأمة من خلاله ، فلما أنذر المكذبون بهذا الوعيد تحركت الشفقة في نفس الرسول عليه الصلاة والسلام فربط اللّه على قلبه بهذا التشجيع أن لا يحزن عليهم إذا أصابهم ما أنذروا به . وكان من رحمته صلّى اللّه عليه وسلّم حرصه على إقلاعهم عما هم عليه من تكذيبه والمكر به ، فألقى اللّه في روعه رباطة جاش بقوله وَلا تَكُنْ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ . والضيق : بفتح الضاد وكسرها ، قرأه الجمهور بالفتح ، وابن كثير بالكسر . وحقيقته : عدم كفاية المكان أو الوعاء لما يراد حلوله فيه ، وهو هنا مجاز في الحالة الحرجة التي تعرض للنفس عند كراهية شيء فيحس المرء في مجاري نفسه بمثل ضيق عرض لها . وإنما هو انضغاط في أعصاب صدره . وقد تقدم عند قوله وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ في آخر سورة النحل [ 127 ] . والظرفية مجازية ، أي لا تكن ملتبسا ومحوطا بشيء من الضيق بسبب مكرهم .