الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
278
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
باختلاف الاعتبار . فالشرك مثلا حقيقة معروفة يكون بها جنسا عقليا وهو بالنظر إلى ما يبعث عليه وما ينشأ عنه ينتسب إلى حقائق أخرى مثل الظلم ، أي الاعتداء على الناس بأخذ حقوقهم فإنه من أسبابه ، ومثل الفسق فإنه من آثاره ، وكذلك التكذيب فإنه من آثاره أيضا : وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ [ المزمل : 11 ] ، ومثل الكبر ومثل الإسراف فإنهما من آثاره أيضا : فمن أساليب القرآن أن يعبر عن الشرك بألفاظ هذه الحقائق للإشارة إلى أنه جامع عدة فظائع ، وللتنبيه على انتسابه إلى هذه الأجناس ، وليعلم المؤمنون فساد هذه الحقائق من حيث هي فيعبر عنه هنا بالظلم وهو كثير ليعلم السامع أن جنس الظلم قبيح مذموم ، ناهيك أن الشرك من أنواعه . وكذلك قوله : إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ [ غافر : 28 ] أي هو متأصل في الشرك وإلا فإن اللّه هدى كثيرا من المسرفين والكاذبين بالتوبة ، ومن قوله : أَ لَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْمُتَكَبِّرِينَ [ الزمر : 60 ] ونحو ذلك . وجملة : إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً معترضة بين الجمل المتعاطفة . والإشارة إلى ما ذكر من عاقبة مكرهم . والآية : الدليل على انتصار اللّه لرسله . واللام في لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ لام التعليل يعني آية لأجلهم ، أي لأجل إيمانهم . وفيه تعريض بأن المشركين الذين سبقت إليهم هذه الموعظة إن لم يتعظوا بها فهم قوم لا يعلمون . وفي ذكر كلمة ( قوم ) إيماء إلى أن من يعتبر بهذه الآية متمكن في العقل حتى كان العقل من صفته القومية ، كما تقدم في قوله تعالى : لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ في سورة البقرة [ 164 ] . وفي تأخير جملة : وَأَنْجَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكانُوا يَتَّقُونَ عن جملة : إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ طمأنة لقلوب المؤمنين بأن اللّه ينجيهم مما توعد به المشركين كما نجى الذين آمنوا وكانوا يتّقون من ثمود وهم صالح ومن آمن معه . وقيل : كان الذين آمنوا مع صالح أربعة آلاف ، فلما أراد اللّه إهلاك ثمود أوحى اللّه إلى صالح أن يخرج هو ومن معه فخرجوا ونزلوا في موضع الرسّ فكان أصحاب الرسّ من ذرياتهم . وقيل : نزلوا شاطئ اليمن وبنوا مدينة حضرموت . وفي بعض الروايات أن صالحا نزل بفلسطين . وكلها أخبار غير موثوق بها . وزيادة فعل الكون في وَكانُوا يَتَّقُونَ للدلالة على أنهم متمكّنون من التقوى .