الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
279
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
[ 54 ، 55 ] [ سورة النمل ( 27 ) : الآيات 54 إلى 55 ] وَلُوطاً إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ أَ تَأْتُونَ الْفاحِشَةَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ ( 54 ) أَ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّساءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ ( 55 ) عطف لُوطاً على صالِحاً في قوله السابق وَلَقَدْ أَرْسَلْنا إِلى ثَمُودَ أَخاهُمْ صالِحاً [ النمل : 45 ] . ولا يمنع من العطف أن العامل في المعطوف تعلق به قوله : إِلى ثَمُودَ لأن المجرور ليس قيدا لمتعلّقه ، ولكنه كواحد من المفاعيل فلا ارتباط له بالمعطوف على مفعول آخر . فإن الاتباع في الإعراب يميز المعطوف عليه من غيره . وقد سبق نظير هذا في سورة الأعراف . ولم يذكر المرسل إليهم هنا كما ذكر في قصة ثمود لعدم تمام المشابهة بين قوم لوط وبين قريش فيما عدا التكذيب والشرك . ويجوز أن ينصب وَلُوطاً بفعل مقدّر تقديره : واذكر لوطا ، لأن وجود إِذْ بعده يقربه من نحو : وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ [ البقرة : 30 ] . وتعقيب قصة ثمود بقصة قوم لوط جار على معتاد القرآن في ترتيب قصص هذه الأمم ، فإن قوم لوط كانوا متأخرين في الزمن عن ثمود . وإنما الذي يستثير سؤالا هنا هو الاقتصار على قصة قوم لوط دون قصة عاد وقصة مدين . وقد بينته آنفا أنه لمناسبة مجاورة ديار قوم لوط لمملكة سليمان ووقوعها بين ديار ثمود وبين فلسطين وكانت ديارهم ممرّ قريش إلى بلاد الشام ، قال تعالى وَإِنَّها لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ [ الحجر : 76 ] وقال وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ وَبِاللَّيْلِ أَ فَلا تَعْقِلُونَ [ الصافات : 137 ، 138 ] . وظرف إِذْ يتعلق ب ( أرسلنا ) أو ب ( اذكر ) المقدّرين . والاستفهام في أَ تَأْتُونَ إنكاري . وجملة : وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ حال زيادة في التشنيع ، أي تفعلون ذلك علنا يبصر بعضكم بعضا ، فإن التجاهر بالمعصية معصية لأنه يدل على استحسانها وذلك استخفاف بالنواهي . وقوله : أَ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ تقدم في الأعراف [ 81 ] إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ ، فهنا جيء بالاستفهام الإنكاري ، وما في الأعراف جاء الخبر المستعمل في الإنكار ، فيجوز أن يكون اختلاف الحكاية لاختلاف المحكي بأن يكون لوط قد قال لهم المقالتين في مقامين