الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
277
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
يثيره الاستفهام في قوله : كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ مَكْرِهِمْ من سؤال عن هذه الكيفية . والتأكيد للاهتمام بالخبر . وقرأه عاصم والكسائي ويعقوب وخلف بفتح الهمزة فيكون المصدر بدلا من عاقِبَةُ . والتأكيد أيضا للاهتمام . وضمير الغيبة في دَمَّرْناهُمْ للرهط . وعطف قومهم عليهم لموافقة الجزاء للمجزيّ عليه لأنهم مكروا بصالح وأهله فدمّرهم اللّه وقومهم . والتدمير : الإهلاك الشديد ، وتقدم غير مرة منها في سورة الشعراء . والقصة تقدمت . وتقدم إنجاء صالح والذين آمنوا معه وذلك أن اللّه أوحى إليه أن يخرج ومن معه إلى أرض فلسطين حين أنذر قومه بتمتع ثلاثة أيام . وتفريع قوله : فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خاوِيَةً على جملة : دَمَّرْناهُمْ لتفريع الإخبار . والإشارة منصرفة إلى معلوم غير مشاهد لأن تحققه يقوم مقام حضوره فإن ديار ثمود معلومة لجميع قريش وهي في طريقهم في ممرّهم إلى الشام . وانتصب خاوِيَةً على الحال . وعاملها ما في اسم الإشارة من معنى الفعل كقوله تعالى : وَهذا بَعْلِي شَيْخاً وقد تقدم في سورة هود [ 72 ] . والخاوية : الخالية ، ومصدره الخواء ، أي فالبيوت باق بعضها في الجبال لا ساكن بها . والباء في بِما ظَلَمُوا للسببية ، و ( ما ) مصدرية ، أي كان خواؤها بسبب ظلمهم . والظلم : الشرك وتكذيب رسولهم ، فذلك ظلم في جانب اللّه لأنه اعتداء على حق وحدانيته ، وظلم للرسول بتكذيبه وهو الصادق . ولما خص اللّه عملهم بوصف الظلم من بين عدة أحوال يشتمل عليها كفرهم كالفساد كان ذلك إشارة إلى أن للظلم أثرا في خراب بلادهم . وهذا معنى ما روي عن ابن عباس أنه قال : أجد في كتاب اللّه أن الظلم يخرّب البيوت وتلا : فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خاوِيَةً بِما ظَلَمُوا . وهذا من أسلوب أخذ كل ما يحتمل من معاني الكلام في القرآن كما ذكرناه في المقدمة التاسعة من مقدمات هذا التفسير . ونزيده هنا ما لم يسبق لنا في نظائره ، وهو أن الحقائق العقلية لما كان قوام ماهياتها حاصلا في الوجود الذهني كان بين كثير منها انتساب وتقارب يردّ بعضها إلى بعض