الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

272

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

ليعلموا أن عاقبة ذلك مماثلة لعاقبة ثمود لتماثل الحالين قال تعالى : وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ وَلَوْ لا أَجَلٌ مُسَمًّى لَجاءَهُمُ الْعَذابُ وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ [ العنكبوت : 53 ] . والاستفهام في قوله : لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ إنكار لأخذهم بجانب العذاب دون جانب الرحمة . فالسيئة : صفة لمحذوف ، أي بالحالة السيئة ، وكذلك الْحَسَنَةِ . فيجوز أن يكون المراد بِالسَّيِّئَةِ الحالة السيئة في معاملتهم إياه بتكذيبهم إياه . والمراد بالحسنة ضدّ ذلك ، أي تصديقهم لما جاء به ، فالاستعجال : المبادرة . والباء للملابسة . ومفعول تَسْتَعْجِلُونَ محذوف تقديره : تستعجلونني متلبسين بسيئة التكذيب . والمعنى : أنه أنكر عليهم أخذهم بطرف التكذيب إذ أعرضوا عن التدبر في دلائل صدقه ، أي إن كنتم مترددين في أمري فافرضوا صدقي ثم انظروا . وهذا استنزال بهم إلى النظر بدلا عن الإعراض ، ولذلك جمع في كلامه بين السيئة والحسنة . ويجوز أن يكون المراد بِالسَّيِّئَةِ الحالة السيئة التي يترقبون حلولها ، وهي ما سألوا من تعجيل العذاب المحكي عنهم في سورة الأعراف ، وب الْحَسَنَةِ ضد ذلك أي حالة سلامتهم من حلول العذاب فالسيئة مفعول تَسْتَعْجِلُونَ والباء مزيدة لتأكيد اللصوق مثل ما في قوله تعالى : وَامْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ [ المائدة : 6 ] . والمعنى : إنكار جعلهم تأخير العذاب أمارة على كذب الوعيد به وأن الأولى بهم أن يجعلوا امتداد السلامة أمارة على إمهال اللّه إياهم فيتقوا حلول العذاب ، أي لم تبقون على التكذيب منتظرين حلول العذاب ، وكان الأجدر بكم أن تبادروا بالتصديق منتظرين عدم حلول العذاب بالمرة . وعلى كلا الوجهين فجواب صالح إياهم جار على الأسلوب الحكيم بجعل يقينهم بكذبه محمولا على ترددهم بين صدقه وكذبه . وقوله : قَبْلَ الْحَسَنَةِ حال من السيئة . وهذا تنبيه لهم على خطئهم في ظنهم أنه لو كان صالح صادقا فيما توعدهم به لعجّل لهم به ، فما تأخيره إلا لأنه ليس بوعيد حق ، لأن العذاب أمر عظيم لا يجوز الدخول تحت احتماله في مجاري العقول . فالقبلية في قوله : قَبْلَ الْحَسَنَةِ مجاز في اختيار الأخذ بجانب احتمال السيئة وترجيحه على الأخذ بجانب الحسنة ، فكأنهم بادروا إليها فأخذوها قبل أن يأخذوا الحسنة .