الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

273

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

وظاهر الاستفهام أنه استفهام عن علة استعجالهم ، وإنما هو استفهام عن المعلول كناية عن انتفاء ما حقه أن يكون سببا لاستعجال العذاب ، فالإنكار متوجه للاستعجال لا لعلته . ثم أعقب الإنكار المقتضي طلب التخلية عن ذلك بتحريضهم على الإقلاع عن ذلك بالتوبة وطلب المغفرة لما مضى منهم ويرجون أن يرحمهم اللّه فلا يعذبهم ، وإن كان ما صدر منهم موجبا لاستمرار غضب اللّه عليهم ، إلا أن اللّه برحمته جعل التائب من الذنب كمن لم يذنب . [ 47 ] [ سورة النمل ( 27 ) : آية 47 ] قالُوا اطَّيَّرْنا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ قالَ طائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ ( 47 ) هذا من محاورتهم مع صالح فلذلك لم يعطف فعلا القول وجاء على سنن حكاية أقوال المحاورات كما بيّناه غير مرة . وأصل اطَّيَّرْنا تطيّرنا فقلبت التاء طاء لقرب مخرجيهما وسكنت لتخفيف الإدغام وأدخلت همزة الوصل لابتداء الكلمة بساكن ، والباء للسببية . ومعنى التطير : التشاؤم . أطلق عليه التطيّر لأن أكثره ينشأ من الاستدلال بحركات الطير من سانح وبارح . وكان التطيّر من أوهام العرب وثمود من العرب ، فقولهم المحكي في هذه الآية حكي به مماثله من كلامهم ولا يريدون التطيّر الحاصل من زجر الطير لأنه يمنع من ذلك قولهم : بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ وقد تقدم مثله عند قوله تعالى : وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسى وَمَنْ مَعَهُ في سورة الأعراف [ 131 ] . وتقدم معنى الشؤم هنالك . وأجاب صالح كلامهم بأنه ومن معه ليسوا سبب شؤم ولكن سبب شؤمهم وحلول المضار بهم هو قدرة اللّه . واستعير لما حلّ بهم اسم الطائر مشاكلة لقولهم اطَّيَّرْنا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ ، ومخاطبة لهم بما يفهمون لإصلاح اعتقادهم ، بقرينة قولهم اطَّيَّرْنا بِكَ . و عِنْدَ للمكان المجازي مستعارا لتحقّق شأن من شؤون اللّه به يقدر الخير والشر وهو تصرف اللّه وقدره . وقد تقدم نظيره في الأعراف . وأضرب ب بَلْ عن مضمون قولهم : اطَّيَّرْنا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ بأن لا شؤم بسببه هو وسبب من معه ولكن الذين زعموا ذلك قوم فتنهم الشيطان فتنة متجددة بإلقاء الاعتقاد