الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

271

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

لمجرد الاهتمام ، وإما أن يبنى على تنزيل المخاطبين منزلة من يتردد فيما تضمنه الخبر من تكذيب قومه إياه واستخفافهم بوعيد ربّهم على لسانه . وحلول العذاب بهم لأجل ذلك لأن حالهم في عدم العظة بما جرى للمماثلين في حالهم جعلهم كمن ينكر ذلك . و أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ تفسير لما دل عليه أَرْسَلْنا من معنى القول . وفرع على أَرْسَلْنا إِلى ثَمُودَ أَخاهُمْ صالِحاً إلخ فَإِذا هُمْ فَرِيقانِ يَخْتَصِمُونَ . فالمعنى : أرسلنا إلى ثمود أخاهم صالحا لإنقاذهم من الشرك ففاجأ من حالهم أن أعرض فريق عن الإيمان وآمن فريق . والإتيان بحرف المفاجأة كناية عن كون انقسامهم غير مرضي فكأنّه غير مترقب ، ولذلك لم يقع التعرض لإنكار كون أكثرهم كافرين إشارة إلى أن مجرد بقاء الكفر فيهم كاف في قبح فعلهم . وحالهم هذا مساو لحال قريش تجاه الرسالة المحمدية . وأعيد ضمير يَخْتَصِمُونَ على المثنى وهو فَرِيقانِ باعتبار اشتمال الفريقين على عدد كثير . كقوله تعالى : وَإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا [ الحجرات : 9 ] ولم يقل : اقتتلتا . والفريقان هما : فريق الذين استكبروا ، وفريق الذين استضعفوا وفيهم صالح . والفاء للتعقيب وهو تعقيب بحسب ما يقتضيه العرف بعد سماع الدعوة . والاختصام واقع مع صالح ابتداء ، ومع أتباعه تبعا . [ 46 ] [ سورة النمل ( 27 ) : آية 46 ] قالَ يا قَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ لَوْ لا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ( 46 ) لما كان الاختصام بين الفريقين في شأن صالح ابتداء جيء بجواب صالح عما تضمنه اختصامهم من محاولتهم إفحامه بطلب نزول العذاب . فمقول صالح هذا ليس هو ابتداء دعوته فإنه تقدم قوله : أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ [ النمل : 45 ] ولكنه جواب عمّا تضمنه اختصامهم معه ، ولذلك جاءت جملة : قالَ يا قَوْمِ مفصولة جريا على طريقة المحاورة لأنها حكاية جواب عما تضمنه اختصامهم . واقتصر على مراجعة صالح قومه في شأن غرورهم بظنهم أن تأخر العذاب أمارة على كذب الذي توعدهم به فإنهم قالوا : فآتنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ [ الأعراف : 70 ] كما حكي عنهم في سورة الأعراف لأن الغرض هنا موعظة قريش في قولهم : فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أَوِ ائْتِنا بِعَذابٍ أَلِيمٍ [ الأنفال : 32 ] بحال ثمود المساوي لحالهم