الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
270
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
وجملة : قالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي جواب عن قول سليمان إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوارِيرَ ولذلك لم تعطف . والإسلام : الانقياد إلى اللّه تعالى . وتقلّد بلقيس للتوحيد كان في خاصة نفسها لأنها دانت للّه بذلك إذ لم يثبت أن أهل سبأ انخلعوا عن عبادة الأصنام كما يأتي في سورة سبأ . وأما دخول اليهودية بلاد اليمن فيأتي في سورة البروج . وسكت القرآن عن بقية خبرها ورجوعها إلى بلادها ، وللقصاصين أخبار لا تصح فهذا تمام القصة . ومكان العبرة منها الاتعاظ بحال هذه الملكة ، إذ لم يصدّها علوّ شأنها وعظمة سلطانها مع ما أوتيته من سلامة الفطرة وذكاء العقل عن أن تنظر في دلائل صدق الداعي إلى التوحيد وتوقن بفساد الشرك وتعترف بالوحدانية للّه ، فما يكون إصرار المشركين على شركهم بعد أن جاءهم الهدي الإسلامي إلا لسخافة أحلامهم أو لعمايتهم عن الحق وتمسكهم بالباطل وتصلبهم فيه . ولا أصل لما يذكره القصّاصون وبعض المفسرين من أن سليمان تزوج بلقيس ، ولا أن له ولدا منها . فإن رحبعام ابنه الذي خلفه في الملك كان من زوجة عمّونيّة . [ 45 ] [ سورة النمل ( 27 ) : آية 45 ] وَلَقَدْ أَرْسَلْنا إِلى ثَمُودَ أَخاهُمْ صالِحاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ فَإِذا هُمْ فَرِيقانِ يَخْتَصِمُونَ ( 45 ) هذا مثل ثالث ضربه اللّه لحال المشركين مع المؤمنين وجعله تسلية لرسوله صلّى اللّه عليه وسلّم بأن له أسوة بالرسل والأنبياء من قبله . والانتقال من ذكر ملك سليمان وقصّة ملكة سبأ إلى ذكر ثمود ورسولهم دون ذكر عاد لمناسبة جوار البلاد ، لأن ديار ثمود كانت على تخوم مملكة سليمان وكانت في طريق السائر من سبأ إلى فلسطين . ألا ترى أنه أعقب ذكر ثمود بذكر قوم لوط وهم أدنى إلى بلاد فلسطين ، فكان سياق هذه القصص مناسبا لسياق السائر من بلاد اليمن إلى فلسطين . ولما كان ما حلّ بالقوم أهمّ ذكرا في هذا المقام قدم المجرور على المفعول لأن المجرور هو محل العبرة ، وأما المفعول فهو محلّ التسلية ، والتسلية غرض تبعيّ . ولام القسم لتأكيد الإرسال باعتبار ما اتصل به من بقية الخبر ؛ فإما أن يكون التأكيد